الذهب يكسر الحواجز التاريخية مدفوعًا بتوترات عالمية وسياسات نقدية

في موجة صعود غير مسبوقة، قفزت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بمزيج من التوترات الجيوسياسية والرهانات المتزايدة على سياسات نقدية أكثر تساهلاً من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. هذا الارتفاع يعكس حالة من عدم اليقين الاقتصادي تدفع المستثمرين بقوة نحو الملاذات الآمنة.
شرارة الحرب التجارية تشعل الأسعار
سجل الذهب ارتفاعًا بنحو 5% منذ بداية الأسبوع، ليبلغ ذروة تاريخية جديدة تجاوزت 4,227 دولارًا للأونصة يوم الخميس، في تسارع لافت لموجة الصعود التي انطلقت منتصف أغسطس. ويأتي هذا الارتفاع في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن بلاده دخلت فعليًا في حرب تجارية مع الصين، مما أثار مخاوف عميقة من تداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي، وزاد من جاذبية المعدن الأصفر كمخزن آمن للقيمة.
لم تنجح محاولات التهدئة، التي قادها وزير الخزانة سكوت بيسنت باقتراح تمديد فترة التريث قبل فرض رسوم جمركية إضافية، في كبح جماح المخاوف. فالأسواق باتت تسعّر بالفعل مخاطر تباطؤ اقتصادي عالمي، ما يفسر موجة الشراء القوية التي امتدت لتشمل المعادن النفيسة الأخرى، حيث ارتفعت الفضة بأكثر من 3% يوم الأربعاء.
رهانات على خفض الفائدة الأمريكية
على صعيد السياسة النقدية، يتجه المتعاملون والمستثمرون إلى الرهان على أن الاحتياطي الفيدرالي سيُقدم على خفض كبير واحد على الأقل في أسعار الفائدة بحلول نهاية العام. هذه التوقعات عززتها تصريحات رئيس البنك، جيروم باول، هذا الأسبوع، والتي ألمحت إلى أن البنك المركزي في طريقه لإقرار خفض جديد بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماعه المقبل هذا الشهر.
ويُعد انخفاض تكاليف الاقتراض عاملاً محفزًا رئيسيًا لأسعار الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، لأنها أصول لا تدر عائدًا أو فائدة. وبالتالي، فإن خفض الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب بدلاً من الأصول المدرة للدخل مثل السندات الحكومية، مما يعزز جاذبيته الاستثمارية.
عوامل داخلية تدعم الصعود
لم تقتصر العوامل الدافعة على التوترات الخارجية، بل ساهم الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية في تعزيز الطلب على الذهب. هذا الوضع الداخلي أضاف طبقة جديدة من عدم اليقين، ودفع المستثمرين نحو ما يُعرف بـ”صفقة تخفيض القيمة”، حيث يتم التحوط من العجز المالي المتزايد بالابتعاد عن الديون السيادية والعملات واللجوء إلى الأصول الصلبة.
كما لعبت مشتريات البنوك المركزية دورًا محوريًا في دعم هذا الارتفاع القياسي، حيث قفزت أسعار الذهب بأكثر من 60% منذ بداية العام. وفي هذا السياق، أوضح سعد رحيم، كبير الاقتصاديين في مجموعة “ترافيغورا”، أن جزءًا كبيرًا من موجة الصعود الحالية “مدفوع بالشراء الفعلي، وإذا نظرت إلى البنوك المركزية، فهي تشتري كميات ضخمة”.
حركة الأسواق والمعادن الأخرى
في تداولات صباح الخميس في سنغافورة، ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.3% ليصل إلى 4,218.74 دولارًا للأونصة، بالتزامن مع تراجع مؤشر بلومبرغ للدولار لليوم الثالث على التوالي. وفي سوق المعادن النفيسة الأخرى، بقي البلاتين مستقرًا، بينما سجل البلاديوم ارتفاعًا طفيفًا، مما يعكس تركيز المستثمرين بشكل أساسي على الذهب والفضة.
أما سوق الفضة، فقد شهدت حالة خاصة من شح السيولة في لندن، مما أطلق سباقًا عالميًا لشراء المعدن ودفع الأسعار الفورية لتتجاوز أسعار العقود الآجلة في نيويورك. ونتيجة لذلك، سجلت الفضة مستوى قياسيًا جديدًا فوق 53 دولارًا للأونصة هذا الأسبوع، قبل أن تستقر عند هذا المستوى تقريبًا يوم الخميس.









