الجسر العربي للملاحة.. تحالف ثلاثي يرسم ملامح جديدة للتكامل البحري في البحر الأحمر
بشراكة مصرية أردنية عراقية: كيف سيغير مشروع ترسانة سفاجا مستقبل النقل والتجارة في المنطقة؟

في خطوة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين مصر والأردن والعراق، شهدت القاهرة اجتماعات الجمعية العمومية لشركة الجسر العربي للملاحة، التي توجت بتوقيع مذكرة تفاهم لإنشاء ترسانة بحرية متكاملة في ميناء سفاجا. هذه الخطوة لا تمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل تعد حجر زاوية في رؤية أوسع لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت، وتعزيز التكامل العربي في أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.
ترسانة سفاجا.. من النقل إلى الصناعة البحرية
يمثل الاتفاق بين الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر وشركة الجسر العربي للملاحة نقلة نوعية في استراتيجية الشركة والدول المؤسسة. فالمشروع يتجاوز مجرد تسيير الرحلات البحرية إلى الدخول في مجال الصناعات البحرية الثقيلة، عبر إنشاء وإدارة ترسانة متخصصة في بناء وإصلاح وصيانة السفن. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في صيانة أسطول الشركة والأسطول التجاري المصري، وتقليل الاعتماد على الترسانات الأجنبية، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويوفر العملة الصعبة.
مؤشرات أداء قوية تدعم التوسع
تأتي هذه المشاريع الطموحة مدعومة بأداء مالي وتشغيلي قوي لشركة الجسر العربي للملاحة، التي أثبتت جدواها كشريان حيوي للتجارة بين آسيا العربية وشمال أفريقيا. فخلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، سجلت الشركة نموًا في أرباحها بنسبة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ونقلت أكثر من 59 ألف شاحنة و256 ألف مسافر على خط نويبع-العقبة. هذه الأرقام لا تعكس نجاحًا تشغيليًا فحسب، بل تؤكد الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا الممر التجاري، مما يبرر ضخ استثمارات جديدة لتطوير بنيته التحتية.
وتقوم استراتيجية الشركة المستقبلية على محورين متكاملين؛ الأول هو تطوير البنية التحتية البحرية عبر مشاريع كبرى مثل ترسانة سفاجا وتطوير محطة الركاب في ميناء العقبة، والثاني يتمثل في تحديث الأسطول وتنويعه. ويشير هذا التوجه إلى رغبة في عدم الاقتصار على نقل الركاب والشاحنات، بل التوسع ليشمل بواخر الحاويات الصغيرة والبضائع العامة، وهو ما يمنح الشركة مرونة أكبر في مواكبة متغيرات السوق ويعزز من دورها في سلاسل الإمداد الإقليمية.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور حسن الملواني، الخبير في اقتصاديات النقل البحري، أن “شركة الجسر العربي للملاحة تنتقل من كونها مجرد ناقل بحري إلى لاعب متكامل في منظومة الخدمات البحرية واللوجستية. مشروع الترسانة تحديدًا سيمنحها ميزة تنافسية كبيرة، ويحولها إلى مركز خدمة إقليمي قادر على جذب سفن أخرى، مما يعزز من العوائد الاقتصادية لمصر والأردن والعراق على حد سواء”.
رؤية مشتركة لتكامل اقتصادي مستدام
أكد وزراء النقل في الدول الثلاث خلال الاجتماع على أن شركة الجسر العربي للملاحة لم تعد مجرد شركة تجارية، بل أصبحت نموذجًا ناجحًا للشراكة العربية القادرة على تحقيق أهداف استراتيجية. فمن جهته، شدد الفريق مهندس كامل الوزير على أن المشروع يخدم رؤية الدولة المصرية في استعادة قوة أسطولها التجاري، بينما أكد الدكتور نضال القطامين أن هذه المشاريع تنسجم مع رؤية الأردن لتعزيز مكانته كمركز لوجستي إقليمي. وأشاد ممثل العراق بالقدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس يخدم التنمية المشتركة.
في الختام، يمكن القول إن مخرجات الجمعية العمومية لشركة الجسر العربي للملاحة تتجاوز حدودها الإدارية لتعلن عن مرحلة جديدة من التعاون العربي العملي. فمن خلال ربط البنية التحتية وتكامل الصناعات البحرية، ترسي مصر والأردن والعراق أساسًا متينًا لشبكة نقل وتجارة أكثر استدامة ومرونة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية وتحقيق مصالح اقتصادية مشتركة طويلة الأمد في قلب البحر الأحمر.






