التأتأة: حين يصبح الكلام معركة نفسية للطفل
خبيرة تخاطب تكشف الأبعاد الخفية لاضطراب التأتأة لدى الأطفال وعلاقته بالضغوط الأسرية والنفسية

في ظل تزايد الوعي بأهمية الصحة النفسية للأطفال، يبرز اضطراب التأتأة كأحد التحديات المعقدة التي تواجه الأسر المصرية. خبيرة تخاطب ونطق تكشف عن الأبعاد الخفية لهذه الحالة، مؤكدة أن الحل لا يكمن فقط في جلسات العلاج، بل في فهم جذور المشكلة التي غالبًا ما تكون نفسية في المقام الأول.
أوضحت الدكتورة رانيا مراد، استشاري التخاطب والنطق، أن التأتأة، أو ما يعرف بالتلعثم، هي اضطراب في طلاقة الكلام يظهر غالبًا في مرحلة حساسة من عمر الطفل، بين سنتين وخمس سنوات. ويتزامن هذا الظهور مع مرحلة تطور لغوي مهمة، حيث يبدأ الطفل في محاولة بناء جمل أطول، مما يكشف عن صعوبات قد تواجهه في التعبير.
وأشارت مراد إلى أن هذا الاضطراب لا يتخذ شكلًا واحدًا، بل يتجلى في صور متعددة. قد يجد الطفل نفسه يكرر الحرف الأول من الكلمة بشكل لا إرادي، مثل “سـ سـ سلام”، أو يعيد الكلمة بأكملها، وفي حالات أخرى قد يتوقف تمامًا عن الكلام للحظات، عاجزًا عن إخراج النفس أو استكمال فكرته.
جذور المشكلة: ما بين الوراثة والضغوط النفسية
خلف هذه الصعوبات الظاهرية، تكمن شبكة معقدة من الأسباب. فبينما تلعب الوراثة دورًا في بعض الحالات، خاصة عند وجود تاريخ عائلي مع التلعثم، فإن العوامل النفسية والبيئية تفرض نفسها بقوة. فالخوف، الغيرة، أو التعرض لعنف لفظي أو جسدي، كلها عوامل قد تفجر المشكلة أو تزيد من حدتها.
ويعكس هذا التحليل واقعًا أعمق، حيث أصبحت المشكلات الأسرية والضغوط الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال. لم يعد من الممكن فصل صحة الطفل النفسية عن استقرار محيطه، وهو ما يجعل اضطرابات النطق مثل التأتأة مؤشرًا يستدعي النظر إلى ما هو أبعد من مجرد صعوبة في الكلام.
العلاج: رحلة مشتركة تتطلب الدعم
وشددت الدكتورة رانيا مراد على أن علاج التأتأة ليس مسؤولية أخصائي التخاطب وحده. بل هو مسار علاجي متكامل يتطلب تضافر جهود الطبيب النفسي مع الأخصائي، والأهم من ذلك، الدعم النفسي والأسري الفعّال. فالتدريب المنتظم والعلاج المبكر يمنحان الطفل فرصة كبيرة لتجاوز هذه العقبة.
وفي رسالة مباشرة للمجتمع، حذرت مراد من خطورة السخرية أو التنمر على الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النطق. فهذه السلوكيات لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة النفسية لدى الطفل، وتجعله أكثر انغلاقًا. إن التعامل معهم بتفهم وتشجيع هو جزء أساسي من العلاج.
واختتمت مراد مداخلتها، التي جاءت في سياق اليوم العالمي للتأتأة، بالتأكيد على أن هذه الحالة ليست مقياسًا للذكاء أو القدرات العقلية، بل هي تحدٍ يمكن التغلب عليه بالوعي والدعم والرحمة، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع ككل.









