الاقتصاد الأمريكي في مفترق طرق: جمود يسيطر على النشاط وترقب لقرار الفائدة

كشف تقرير “الكتاب البيج” الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي عن حالة من الجمود شبه الكامل تسيطر على الاقتصاد الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، مع تباين ملحوظ في أداء القطاعات والمناطق. ويأتي هذا التقرير في وقت حاسم، حيث يترقب المستثمرون قرارًا مرتقبًا بخفض أسعار الفائدة لمواجهة حالة الضبابية المسيطرة.
بحسب المسح الذي أجراه البنك المركزي بين جهات الأعمال الإقليمية، لم يشهد النشاط الاقتصادي تغييرًا يُذكر، فيما ظلّت مستويات التوظيف مستقرة إلى حد كبير. لكن اللافت هو التراجع الطفيف في الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُعتبر محرك النمو الرئيسي، بالتزامن مع استمرار الأسعار في الارتفاع، مما يضع ضغوطًا متزايدة على المستهلكين والشركات على حد سواء.
معضلة الرسوم الجمركية والتضخم
ألقى التقرير الضوء على التأثير المباشر للسياسات التجارية، حيث تم الإبلاغ عن زيادات واضحة في تكاليف المدخلات ناجمة عن الرسوم الجمركية في العديد من المناطق. هذا الوضع خلق معضلة للشركات، فبينما اختار البعض تمرير الزيادة بالكامل إلى المستهلك النهائي، فضّلت شركات أخرى امتصاص الصدمة والحفاظ على أسعارها دون تغيير لتجنب خسارة عملائها في ظل ضعف الطلب.
هذا التفاوت في استجابة الشركات يعكس حالة من عدم اليقين حول قدرة السوق على تحمل المزيد من الزيادات السعرية، ويشير ضمنيًا إلى أن استمرار الضغوط التضخمية قد يؤدي إلى تآكل أكبر في القوة الشرائية، وهو ما يفسر جزئيًا تراجع الإنفاق الاستهلاكي. وتظل هذه النقطة محور اهتمام صانعي السياسة في الاحتياطي الفيدرالي.
تباين جغرافي ومستقبل غامض
استند التقرير، الذي جُمعت بياناته حتى السادس من أكتوبر، إلى معلومات من فروع الاحتياطي الفيدرالي الـ12، وكشف عن صورة غير متجانسة للاقتصاد. ففي حين حققت ثلاث مناطق نموًا طفيفًا، سجلت خمس مناطق استقرارًا، بينما أشارت أربع مناطق أخرى إلى تباطؤ اقتصادي طفيف، مما يؤكد أن التعافي الاقتصادي ليس موزعًا بالتساوي على الصعيد الوطني.
تباينت التوقعات المستقبلية أيضًا بشكل كبير؛ ففي الوقت الذي أبدى فيه البعض تفاؤلًا حذرًا بزيادة الطلب خلال الـ 6 إلى 12 شهرًا المقبلة، حذّرت منطقة واحدة صراحةً من مخاطر إغلاق حكومي مطوّل على النمو الاقتصادي. هذه التقارير الميدانية تكتسب أهمية خاصة في ظل تأخر صدور البيانات الحكومية الرسمية.
سوق العمل تحت الضغط
فيما يخص سوق العمل، أفاد عدد متزايد من أرباب العمل في معظم المناطق بتقليص أعداد الموظفين، إما عبر التسريح المباشر أو سياسة عدم تعويض الاستقالات. وعزت الشركات ذلك إلى ضعف الطلب، واستمرار الضبابية الاقتصادية، بالإضافة إلى عامل جديد ومؤثر هو الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تحل محل بعض الوظائف المبتدئة.
على الجانب الآخر، أشارت الشركات التي ما زالت توظف إلى سهولة أكبر في العثور على العمالة، لكنها واجهت تحديات في قطاعات معينة. وأشار التقرير إلى أن التغييرات الأخيرة في سياسات الهجرة أدت إلى نقص في إمدادات اليد العاملة بقطاعات حيوية مثل الضيافة، والزراعة، والبناء، والتصنيع في عدة مناطق.
شهادات من قلب المناطق الفيدرالية
عكست التقارير الواردة من المناطق المختلفة تفاصيل حية للواقع الاقتصادي:
- فيلادلفيا: لاحظ المتعاملون أن بعض المورّدين يستغلون الرسوم الجمركية كذريعة لرفع الأسعار حتى على السلع غير الخاضعة لها.
- كليفلاند: أجّل أحد المصنّعين عمليات التسريح أملًا في التعافي، لكنه لم يعد قادرًا على الانتظار أكثر.
- أتلانتا: حذر مشاركون من أن تمرير زيادات الأسعار الناجمة عن الرسوم سيستمر حتى عام 2026.
- شيكاغو: وصف عامل بقطاع النقل الأوضاع بأنها “تشبه الركود”.
- مينابوليس: أكدت شركة إعلانات أن الطلب على الموظفين المبتدئين سيقل لأن أدوات الذكاء الاصطناعي “تنجز هذا العمل بشكل أسرع”.
- سان فرانسيسكو: سُجلت زيادة في إغلاق الشركات وتقليص ساعات العمل، مع ارتفاع في معدلات تعثر القروض.
في هذا السياق، تبدو تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، التي لمحت إلى استعداد البنك لخفض أسعار الفائدة هذا الشهر، خطوة استباقية ضرورية. ويرى المستثمرون أن قرار الخفض في اجتماع 28 و29 أكتوبر شبه مؤكد، في محاولة من البنك المركزي لتحفيز النشاط الاقتصادي وتجنب انزلاق الاقتصاد الأمريكي نحو تباطؤ أعمق.






