وول ستريت بين مطرقة أرباح الشركات وسندان التوترات التجارية

شهدت وول ستريت جلسة تداول متقلبة، حيث تأرجحت المؤشرات بين الصعود والهبوط في ظل صراع واضح بين تفاؤل المستثمرين بنتائج أرباح الشركات ومخاوفهم المتجددة من تصاعد التوتر التجاري بين واشنطن وبكين. ويأتي هذا الأداء الحذر بعد واحدة من أفضل الفترات النصف سنوية للأسهم منذ عقود، مما يطرح تساؤلات حول استدامة الزخم الإيجابي.
على الرغم من موجات جني الأرباح القصيرة التي وصفت بأنها “تصحيح صحي” بعد موجة صعود قوية، أظهرت السوق مرونة لافتة. فبعد أن دفع الصعود مؤشر “إس آند بي 500” لتحقيق مكاسب بنسبة 1.2%، عاد المؤشر للتراجع لفترة وجيزة قبل أن يستعيد عافيته سريعاً، في دلالة على أن شهية المخاطرة لا تزال حاضرة بقوة لدى المستثمرين.
نتائج الأعمال تتفوق على المخاوف
ويبدو أن تركيز المستثمرين تحول بشكل واضح من التطورات الجيوسياسية إلى العوامل الأساسية للسوق، لا سيما مع انطلاق موسم إعلان أرباح الشركات. فقد جاءت النتائج القوية لعمالقة القطاع المالي مثل “مورغان ستانلي” و”بنك أوف أميركا” لتعزز الثقة، بالإضافة إلى الأرباح التي فاقت التوقعات لشركة “يونايتد إيرلاينز”، مما غطى مؤقتاً على القلق من الحرب التجارية.
كما استفاد قطاع التكنولوجيا، وتحديداً شركات الرقائق الإلكترونية، من تصريحات إيجابية حول الذكاء الاصطناعي من شركة “إيه أس أم إل هولدينغ”. هذه النتائج القطاعية القوية هي التي دعمت مؤشر إس آند بي 500 للارتفاع بأكثر من 15 تريليون دولار منذ أبريل الماضي، وهو ما يفسر تمسك المستثمرين بالأساسيات الاقتصادية الصلبة.
وفي هذا السياق، يرى مارك هاكيت من شركة “نيشنوايد” أن استراتيجية “الشراء عند الانخفاض” لا تزال هي المحرك الرئيسي للسوق. وأوضح أن هذه العقلية الاستثمارية هي التي تبقي على المعنويات قوية في وول ستريت، حتى في ظل ظهور بعض إشارات الإجهاد الفني على المؤشرات.
شبح الحرب التجارية يخيم من جديد
لكن مرونة السوق لا تنفي حقيقة أن التصعيد المستمر بين واشنطن وبكين أعاد إلى الأذهان مخاوف انزلاق أكبر اقتصادين في العالم إلى حرب تجارية شاملة. هذا القلق انعكس في أسواق الدخل الثابت، حيث توقفت أسعار السندات الأمريكية عن الصعود بعد أن وصل العائد على السندات لأجل عامين لأدنى مستوى منذ 2022، بينما لجأ البعض إلى الملاذات الآمنة كالذهب الذي ارتفع فوق 4200 دولار.
وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، اقترح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تمديد فترة التريث في فرض رسوم جمركية مرتفعة على البضائع الصينية، مقابل تراجع بكين عن خططها لتقييد صادرات المعادن النادرة. كما أشار بيسنت إلى استعداد الرئيس دونالد ترمب للقاء نظيره الصيني شي جين بينغ، في إشارة قد تحمل بعض التفاؤل الحذر للأسواق.
الفيدرالي تحت ضغط خفض الفائدة
هذه التوترات التجارية تلقي بظلالها على السياسة النقدية، حيث طالب ستيفن ميران، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بضرورة تسريع وتيرة خفض أسعار الفائدة. وأوضح ميران أن حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو قد زادت، مما يفرض على البنك المركزي التحرك لمواجهة “المخاطر الهبوطية الجديدة” التي أضافتها السياسات التجارية بين الصين والولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، يرى ماكس كيتنر من “إتش إس بي سي” أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال قوية بما يكفي لتجاوز الضوضاء الناتجة عن الرسوم الجمركية. وأشار إلى أنه يحافظ على موقف “ميّال للمخاطرة” لعام 2026، متوقعاً أن النمو الأمريكي سيظل قوياً وقادراً على تجاوز التوقعات الحالية.
الأسواق تترقب التوجيهات المستقبلية
ويرى محللون أن الأهم من نتائج الربع الثالث التي تعبر عن الماضي، هو التوجيهات المستقبلية التي ستصدرها الشركات. ويوضح ستيفن كيتس من “بنك ريت” أن أي مؤشرات تفاؤل في هذه التوجيهات يمكن أن تخلق حلقة إيجابية، حيث يدعم ارتفاع الأسهم الأمريكية ثقة الشركات والمستهلكين، مما يحفز الإنفاق الفعلي.
ويتفق معه ديفيد ليفكوفيتز من “يو بي إس لإدارة الثروات العالمية”، الذي يتوقع أن تدعم نتائج الأرباح استمرار السوق الصاعدة، مدفوعة بنمو مستدام للأرباح وتخفيضات محتملة في أسعار الفائدة. ومع ذلك، يحذر سام ستوفال من “سي إف آر إيه” من أن السوق قد تحتاج لمزيد من الوقت لهضم مكاسبها الأخيرة، مرجحاً حدوث تراجع إضافي يجب استغلاله كفرصة للشراء.
المستثمرون الأفراد.. ثقة استثنائية
وفي مؤشر لافت على المزاج العام، كشف سكوت روبنر من “سيتادل سيكيوريتيز” أن الطلب من المستثمرين الأفراد على خيارات الشراء فاق طلبات البيع للأسبوع الـ24 على التوالي، وهي أطول فترة مسجلة منذ نوفمبر 2023. ووصف روبنر ثقة المستثمرين في سوق الأسهم الأمريكية بأنها “استثنائية” حالياً.
ويختتم كريغ جونسون من “بايبر ساندلر” المشهد بتوصية واضحة، فبالرغم من ترجيحه لمرحلة من الدمج والتجميع مع تركيز المستثمرين على أرباح الشركات، فإنه يؤكد على ضرورة الاستمرار في انتهاز فرص الاستثمار والشراء عند أي تراجعات، خاصة مع دخول السوق الصاعدة عامها الرابع.








