اقتصاد

الأصول الروسية المجمدة: ورقة ضغط غربية محفوفة بالمخاطر

مصادرة الأصول الروسية المجمدة: هل يجرؤ الغرب على استخدام سلاحه الاقتصادي الأقوى لدعم أوكرانيا؟

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

في تصعيد جديد للضغوط على موسكو، يدرس الغرب خيار مصادرة الأصول الروسية المجمدة لتمويل دعم أوكرانيا، بعد فرض حزمة عقوبات قوية. لكن هذه الخطوة، التي تبدو حاسمة، تفتح الباب أمام معركة قانونية واقتصادية معقدة، وتضع أوروبا في مواجهة مباشرة مع تداعيات غير محسوبة.

التردد الأوروبي ليس مجرد حذر قانوني، بل يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي خطوة متسرعة قد تقوض الثقة في اليورو كعملة احتياطية عالمية وتزعزع استقرار المراكز المالية الأوروبية. ولهذا السبب، أرجأ الاتحاد الأوروبي قراره بشأن استخدام أصول البنك المركزي الروسي المجمدة حتى ديسمبر، مانحاً نفسه وقتاً لدراسة العواقب المحتملة لهذه الخطوة الاستراتيجية.

حجم التركة المجمدة

تقدر قيمة الأموال الروسية التي جمدها الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع وأستراليا بنحو 280 مليار دولار، معظمها في شكل أوراق مالية ونقد. تحتجز شركة المقاصة البلجيكية “يوروكلير” النصيب الأكبر من هذه الأموال، مما يضع بروكسل في قلب هذا الصراع المالي. وتتراوح التقديرات الإجمالية، وفق معهد بروكينغز، بين 300 و330 مليار دولار.

إلى جانب أصول البنك المركزي، أدت العقوبات المفروضة على شخصيات روسية بارزة إلى تجميد أصول إضافية تقدر بنحو 58 مليار دولار، تشمل يخوتاً فاخرة وطائرات خاصة وعقارات. وتدير “يوروكلير” حوالي 90% من الاحتياطيات المجمدة في الاتحاد الأوروبي، بينما تحتفظ فرنسا بالجزء الأكبر من المتبقي، في حين لا تتجاوز حصة الولايات المتحدة 5 مليارات دولار، وهو ما يفسر جزئياً سبب كون العبء الأكبر للمخاطر يقع على عاتق أوروبا.

عقبات قانونية وسياسية

حذرت فاليري أوربين، الرئيسة التنفيذية لشركة “يوروكلير”، من أن مصادرة الأصول قد تكون محفوفة بالمخاطر. وتكمن المخاوف الرئيسية لدى دول مثل ألمانيا وبلجيكا، بالإضافة إلى البنك المركزي الأوروبي، في انتهاك مبدأ الحصانة السيادية للدول بموجب القانون الدولي، وهو مبدأ يشكل حجر زاوية في النظام المالي العالمي.

هذه الدول تخشى أن يؤدي الاستيلاء على الأصول إلى موجة من الدعاوى القانونية، وإجراءات انتقامية من موسكو، وتأثير سلبي على مكانة اليورو. وقد وصفت بلجيكا، التي تحتجز على أراضيها 185 مليار يورو، الخطة بأنها “مجازفة كبيرة”، مما يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها الدول التي تعمل كمراكز مالية دولية.

هل تمت مصادرة أصول بالفعل؟

نعم، لكن على نطاق محدود وموجه. صادرت الحكومات الغربية يخوتاً وعقارات تابعة لأوليغارشيين روس، مثل يخت “تانغو” المرتبط بفيكتور فيكسلبرغ. وجمدت بريطانيا أصولاً تزيد قيمتها على 25 مليار جنيه إسترليني، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة المصادرة الكاملة، بل تبحث استخدام عوائدها فقط لدعم أوكرانيا.

وفي خطوة أكثر جرأة، سيطرت ألمانيا على أصول “غازبروم” على أراضيها عبر تأميم شركتها التابعة، في خطوة تهدف لحماية أمنها الطاقي. هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل مختلفة نوعياً عن مصادرة الأصول السيادية للبنك المركزي، والتي تمثل سابقة أكثر خطورة في العلاقات الدولية.

الخطط المطروحة على الطاولة

يدرس قادة الاتحاد الأوروبي خطة لتوفير قروض بقيمة 140 مليار يورو لأوكرانيا، باستخدام الأصول الروسية المجمدة كضمان. وتكتسب هذه المقترحات زخماً، خاصة مع تذبذب الدعم الأمريكي المباشر لكييف، مما يضع أوروبا أمام مسؤولية أكبر في دعم أوكرانيا. وتشمل الأفكار الأخرى ما يلي:

  • صندوق دفاع إسباني: تأسيس صندوق لتقديم منح لتعزيز الدفاعات الأوروبية ودعم أوكرانيا.
  • سندات بلجيكية: إصدار سندات مدعومة بالأرباح الناتجة عن الأصول المجمدة.
  • استخدام العوائد: تم بالفعل استخدام أرباح الأصول لدعم قرض بقيمة 50 مليار دولار من مجموعة السبع لأوكرانيا.

الرد الروسي المحتمل

لا تقف موسكو مكتوفة الأيدي. فقد وقّع الرئيس فلاديمير بوتين مرسوماً يتيح تسريع بيع الأصول الحكومية، بما في ذلك أصول مملوكة لأجانب، في خطوة تمثل إنذاراً واضحاً لمئات الشركات الغربية التي لا تزال تعمل في روسيا. ووصف الكرملين الخطة الغربية بأنها “سرقة”، محذراً من أن النظام المالي العالمي سيتعرض للخطر.

هذا التهديد ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو استراتيجية ردع تهدف إلى رفع تكلفة قرار المصادرة على الغرب. فمن خلال استهداف شركات مثل “يوني كريديت” و”بيبسيكو”، ترسل روسيا رسالة مفادها أن أي تصعيد من جانب الغرب سيقابله رد فعل مؤلم ومباشر على مصالحه الاقتصادية داخل روسيا.

تداعيات شاملة وسابقة خطيرة

إن مصادرة أصول سيادية لدولة ما ستشكل سابقة خطيرة في القانون الدولي، وقد تفتح “صندوق باندورا” من العواقب غير المتوقعة، حيث يمكن استخدامها كأداة قسرية في نزاعات مستقبلية. كما أن هذه الخطوة ستفقد الغرب ورقة تفاوضية هامة في أي محادثات سلام مستقبلية مع موسكو.

ختاماً، يظل ملف الأصول الروسية المجمدة إحدى أوراق الضغط الاستراتيجية في الصراع الدائر. وبينما يسعى الغرب لإيجاد طرق مبتكرة لتمويل دعم أوكرانيا، فإن المخاطر القانونية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بالمصادرة الكاملة تجعل من هذا الخيار سيفاً ذا حدين، يتطلب دراسة متأنية وتنسيقاً دولياً واسعاً لتجنب تداعيات قد تفوق الفوائد المرجوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *