اقتصاد

إيران تحل بنك آينده.. انهيار يكشف أزمة الديون والعزلة المصرفية

انهيار بنك آينده: كيف كشفت الديون المتراكمة والعزلة الدولية عن أزمة النظام المصرفي في إيران؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

في خطوة تكشف عن عمق الأزمة التي يمر بها القطاع المصرفي الإيراني، أعلنت السلطات حل بنك آينده، أحد أكبر المصارف التجارية الخاصة في البلاد، ودمجه في بنك “مِلي” الحكومي. ويأتي هذا القرار لينهي مسيرة مصرف ارتبط اسمه بمشاريع ضخمة وديون متعثرة، ويسلط الضوء على تداعيات العزلة الدولية وضعف الرقابة الداخلية.

الإعلان الرسمي جاء على لسان محافظ البنك المركزي الإيراني، محمد رضا فرزين، الذي أكد أن عملاء وموظفي وفروع المصرف سينتقلون إلى بنك “مِلي” الحكومي. ورغم تحفظه عن ذكر أرقام الديون والخسائر الدقيقة، أرجع فرزين القرار إلى “عدم كفاءة” المصرف و”أدائه غير الصحي”، مشيراً إلى أن نسبة كفاية رأس المال لديه كانت سلبية، وهو مؤشر خطير على الإفلاس الفني.

تأتي هذه الخطوة كاعتراف صريح بفشل محاولات الإنقاذ السابقة، حيث صرح فرزين: “رغم كل الجهود المبذولة، لا يُمكن وضع المصرف على مسار الإصلاح”. ووصف المحافظ “آينده” بأنه أصبح “رمزاً لعدم الكفاءة والاختلالات” التي هيمنت على النظام المصرفي الإيراني خلال العقدين الماضيين، في إشارة ضمنية إلى أن الأزمة أعمق من مجرد بنك واحد متعثر.

عزلة دولية وضغوط داخلية

لم تكن أزمة بنك آينده وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات لسنوات من العزلة شبه التامة عن النظام المالي العالمي. فالعقوبات الأمريكية، بالإضافة إلى إدراج إيران على القائمة السوداء لـمجموعة العمل المالي (FATF) عام 2020 بسبب ضعف التزامها بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خلقت بيئة مصرفية هشة ومعزولة، يصعب فيها إجراء إصلاحات حقيقية.

وقد سبق القرار الحكومي بأيام انتقادات حادة من رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، الذي لام البنك المركزي ومسؤولي “آينده” على تفاقم خسائر المصرف منذ وضعه تحت إجراءات رقابية خاصة في 2019. يعكس هذا النقد العلني حجم الضغط الداخلي وتصاعد القلق لدى أجهزة الدولة من أن انهيار مصرف بهذا الحجم قد يؤدي إلى أزمة ثقة شاملة في القطاع المصرفي الإيراني.

أرقام تكشف حجم الكارثة

كشف حميد رضا غني ‌آبادي، مدير الإشراف المصرفي في البنك المركزي، عن أرقام صادمة تعكس حجم الانهيار. فقد تقلص رأسمال بنك آينده إلى ما يعادل 15 مليون دولار فقط، في مقابل ديون تتجاوز 5.5 مليار دولار. هذه الفجوة الهائلة بين الأصول والخصوم جعلت من عملية الإنقاذ أمراً مستحيلاً.

وأوضح غني ‌آبادي أن المصرف اتبع سياسات مالية محفوفة بالمخاطر، حيث دخل في “منافسة تخريبية” عبر تقديم فوائد مرتفعة لجذب ودائع جديدة، ليس لتوظيفها في استثمارات منتجة، بل لتغطية عوائد الودائع القديمة، وهو نموذج يقترب من الاحتيال المالي. كما تم توجيه أكثر من 90% من موارده لتمويل مشاريع عملاقة مثل “إيران مول”، الذي استنزف سيولة البنك دون تحقيق عوائد كافية.

مسار الانهيار.. من جائزة دولية إلى الإفلاس

قصة بنك آينده تحمل مفارقة كبيرة. تأسس المصرف بين عامي 2013 و2014 عبر دمج ثلاث مؤسسات ائتمانية متعثرة، في محاولة لتكوين كيان قوي. وبالفعل، نما بسرعة ليصبح أحد أكبر البنوك الخاصة، لكن هذا النمو كان قائماً على التوسع في منح قروض ضخمة لمشاريع باهظة التكلفة، أبرزها “إيران مول”.

في عام 2017، فاز المصرف بجائزة “أفضل عملية تحوّل مصرفي في الشرق الأوسط” من “يورو موني”، لكن بعد عامين فقط، في 2019، وُضع تحت إشراف البنك المركزي المباشر وسط شائعات عن انهياره الوشيك. ورغم إجباره على بيع حصته في “إيران مول”، كانت الديون قد تراكمت بشكل لا يمكن السيطرة عليه، لتنتهي القصة بحل المصرف الذي كان يُنظر إليه يوماً كقصة نجاح.

وفي سياق متصل، تأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات سياسية جديدة، حيث صادق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مؤخراً على قانون يمهد لتبني معايير دولية لمكافحة غسل الأموال، وقام وفد إيراني بزيارة نادرة لمقر مجموعة العمل المالي (FATF) في باريس. قد تكون هذه الخطوات محاولة لتجنب تكرار سيناريو “آينده”، لكنها جاءت متأخرة جداً لإنقاذ المصرف المنهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *