اقتصاد

إعادة إعمار غزة: تحدي الـ 80 مليار دولار بعد اتفاق شرم الشيخ

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

بعد عامين من الحرب، طُويت صفحة الدمار في قطاع غزة لتبدأ معركة من نوع آخر: إعادة الإعمار. ومع توقيع وثيقة وقف الحرب برعاية أمريكية في قمة شرم الشيخ للسلام، يُطرح ملف التكلفة الباهظة والضمانات السياسية على طاولة البحث الدولية، وسط ترقب لدور مصري محوري في المرحلة المقبلة.

فاتورة الدمار

لم تعد التقديرات الأولية لكلفة الدمار صالحة اليوم. فبعد أن قدّر تقرير مشترك لـ البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التكلفة بنحو 53 مليار دولار في فبراير الماضي، بناءً على أضرار السنة الأولى فقط، قفزت الأرقام بشكل كبير. تقارير أممية حديثة رفعت التقدير إلى 70 مليار دولار، بينما صرح رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى بأن الكلفة الحقيقية قد تصل إلى 80 مليار دولار.

لإدراك حجم الكارثة، يكفي مقارنة هذه الأرقام بتكاليف حروب سابقة؛ حيث بلغت كلفة أضرار حرب 2014 حوالي 1.4 مليار دولار فقط، ما يوضح أن التحدي الحالي غير مسبوق ويتطلب جهداً دولياً استثنائياً. الضرر الأكبر لحق بقطاع الإسكان، حيث تضرر أكثر من 292 ألف منزل، إلى جانب تدمير 95% من المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية، وتضرر البنية التحتية الحيوية بشكل شبه كامل.

خارطة طريق دولية

بدأت التحركات الدولية لرسم ملامح المرحلة القادمة سريعاً. فبينما استضافت مقاطعة يوركشاير البريطانية مؤتمراً دولياً تمهيدياً، أعلنت مصر عن استضافتها لمؤتمر “التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية” في نوفمبر، والذي سيعتمد على خطة ترمب للسلام. الدعوة المصرية للرئيس الأمريكي لدعم المؤتمر تعكس تنسيقاً رفيع المستوى ورغبة في بناء إطار عمل دولي متين لعملية إعادة إعمار غزة.

في هذا السياق، أعدت الحكومة الفلسطينية برنامجاً للتعافي يمتد لستة أشهر بتكلفة تقديرية تصل إلى 30 مليار دولار كمرحلة أولى. يركز البرنامج على الأولويات العاجلة مثل إزالة الحطام، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، وتقديم الدعم المباشر للعائلات المتضررة، وهي خطوات ضرورية لتهيئة الأجواء قبل انطلاق المشاريع الكبرى.

ضمانات على المحك

يرى الخبير الاقتصادي محمد أنيس أن نجاح عملية بهذا الحجم يتوقف على ثلاث ضمانات رئيسية: استمرارية وقف إطلاق النار، وضمان سير برنامج الإعمار دون عوائق، وتوفير التمويل الدولي اللازم. تصريحات الرئيس ترمب بأن الاتفاق “سيصمد طويلاً” وأن “غزة ستكون معجزة عظيمة”، تشير بوضوح إلى أن الخطة الأمريكية تحمل رؤية طويلة الأمد للقطاع، وربما للمنطقة بأكملها، ما يمثل التزاماً سياسياً بتوفير الضمانة الأولى.

لكن ضمانة التمويل لا تزال الأكثر غموضاً. فبينما لم تتطرق خطة ترمب للتفاصيل، جاءت تلميحات الإدارة الأمريكية لتشير إلى أن العبء الأكبر سيقع على عاتق دول الخليج، مع احتمال مساهمة إسرائيلية. هذا التوجه يضع دول المنطقة أمام مسؤولية تاريخية، ويجعل من المؤتمرات القادمة، وعلى رأسها مؤتمر مصر، حاسمة في ترجمة التعهدات السياسية إلى التزامات مالية واضحة.

الدور الإسرائيلي.. تسهيل أم عرقلة؟

يبقى الموقف الإسرائيلي هو حجر الزاوية في نجاح أو فشل جهود إعادة الإعمار. فرغم التصريحات الرسمية بالالتزام بخطة ترمب، يظل شبح الحكومة اليمينية المتطرفة وتلميحات نتنياهو باحتمال استئناف الحرب قائماً. ومع ذلك، يرى محللون مثل السفير الإسرائيلي الأسبق مايكل أورين أن نتنياهو قد يفضل مواجهة أزمة داخلية على إغضاب إدارة ترمب، ما قد يفرض على إسرائيل قدراً من الالتزام.

ولإنجاح العملية، يطالب خبراء مثل نصر عبد الكريم بانسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل من القطاع وفتح جميع المعابر، بما فيها معبر رفح، بشكل دائم لضمان حرية حركة الأفراد والمعدات. التجربة السابقة في 2014، حين أعاقت إسرائيل دخول مواد بناء بحجة “الاستخدام المزدوج”، يجب ألا تتكرر. إعادة فتح معبر رفح مؤخراً قد يكون مؤشراً إيجابياً، لكنه يظل خطوة أولى تحتاج إلى متابعة.

فرص اقتصادية واعدة

وسط هذا المشهد المعقد، تبرز فرص اقتصادية ضخمة لدول الجوار. من المتوقع أن تلعب الشركات المصرية الدور الأبرز بفضل القرب الجغرافي والخبرة السابقة. قطاعات المقاولات، الأسمنت، الطاقة، والاتصالات ستكون في طليعة المستفيدين، خاصة الشركات العاملة في سيناء التي تتمتع بميزة تنافسية في تكاليف النقل واللوجستيات.

كما تبرز تركيا كلاعب رئيسي محتمل، حيث أعلن الرئيس أردوغان أن بلاده ستتولى مهام كبرى، مستنداً إلى قدرة شركات البناء التركية على الإنجاز السريع. حجم الدمار الهائل قد يفتح الباب أيضاً أمام تكامل عربي، خاصة في صناعات مثل الحديد والصلب بين مصر والسعودية، لتلبية الطلب الهائل المتوقع في قطاع غزة.

رغم كل الخطط والتصريحات، لا تزال هناك ملفات شائكة لم تتطرق إليها المبادرات الحالية، وأبرزها مستقبل حقل “غزة مارين” للغاز. هذا التجاهل يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول السيادة على الموارد الطبيعية، ويؤكد أن طريق إعادة إعمار غزة لن يكون مجرد عملية بناء، بل هو اختبار حقيقي للإرادة السياسية الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *