ألمانيا تعيد تشكيل درعها الدفاعي: استثمارات قياسية وتعديلات في الخدمة العسكرية
برلين تتجه نحو تعزيز قدراتها العسكرية وتحمل مسؤوليات أمنية أكبر في أوروبا بعد تحولات جيوسياسية عميقة.

تستعد ألمانيا لإقرار حزمة مشتريات عسكرية غير مسبوقة، بقيمة تلامس 52 مليار يورو، تشمل 29 عقداً جديداً. هذه الخطوة، التي من المتوقع أن يوافق عليها المشرعون الألمان الأسبوع المقبل، تمثل نقطة تحول جوهرية في استراتيجية برلين الدفاعية، وتؤكد عزم الحكومة على بناء القوات المسلحة الألمانية لتصبح القوة العسكرية الأقوى تقليدياً في أوروبا. لم تعد ألمانيا دولة تكتفي بالإنفاق الدفاعي المحدود، بل باتت تتطلع إلى دور قيادي في الأمن القاري.
تتضمن هذه الطلبيات الضخمة استثمارات حيوية، منها 4.2 مليار يورو مخصصة لمركبات المشاة القتالية طراز “بوما”، وثلاثة مليارات يورو لصواريخ الدفاع الجوي “آرو 3” ومنصات إطلاقها، بالإضافة إلى 1.6 مليار يورو لأقمار اصطناعية متطورة للمراقبة. هذه الأرقام ليست مجرد أرقام؛ إنها تعكس تحولاً جذرياً في الفلسفة الدفاعية الألمانية، التي طوت عقوداً من الانضباط المالي الصارم في هذا القطاع. منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا قبل نحو أربع سنوات، أعادت ألمانيا تقييم أولوياتها، ووجهت مئات المليارات من اليورو نحو تعزيز جاهزيتها الدفاعية.
تعزيز القدرات الدفاعية: استثمارات غير مسبوقة
تُعد الموافقة المرتقبة على هذه العقود الأكبر من نوعها، سواء من حيث عدد الطلبيات الكبيرة أو قيمتها الإجمالية، التي تمر عبر لجنة الميزانية في مجلس النواب خلال جلسة واحدة مغلقة. هذا القرار ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو إعلان سياسي واضح بأن ألمانيا تستعيد ثقلها العسكري، وتتحمل مسؤولياتها الأمنية في عالم مضطرب، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز مجرد تحديث المعدات ليشمل إعادة تعريف دور البلاد على الساحة الدولية.
إصلاح الخدمة العسكرية: دعوة لتعزيز الجاهزية
يتزامن هذا التوجه مع إصلاح حكومي موازٍ يتعلق بالخدمة العسكرية، حيث أقر البرلمان الألماني مؤخراً تعديلاً يلزم جميع الرجال البالغين من العمر 18 عاماً بملء استبيان حول لياقتهم البدنية واستعدادهم للخدمة العسكرية. هذه الخطوة، التي صوت عليها النواب بأغلبية 323 صوتاً مقابل 272، تجعل ألمانيا أحدث دولة أوروبية تتبنى شكلاً معدلاً من الخدمة العسكرية الإلزامية، وإن كان في مراحله الأولية. الاتفاق بين “الكتلة المحافظة” و”الحزب الاشتراكي الديمقراطي” بعد أشهر من النقاش، يمهد الطريق لتطبيق هذا التغيير اعتباراً من يناير 2026.
سيتم إرسال الاستبيان إلى جميع الشباب والشابات في سن 18 عاماً، وسيكون إلزامياً للرجال وتطوعياً للنساء، مستفسراً عن اهتمامهم ورغبتهم في الانضمام إلى القوات المسلحة. هذا النهج لا يفرض التجنيد الإجباري بشكل مباشر، بل يشجع على الانضمام الطوعي من خلال حوافز مغرية، مثل راتب ابتدائي شهري يبلغ 2600 يورو، بزيادة قدرها 450 يورو عن المستوى الحالي. هذا التعديل يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية مشاركة المجتمع المدني في الدفاع الوطني، ويؤكد أن الأمن ليس مسؤولية الجيش وحده، بل هو جهد جماعي يتطلب استعداداً وطنياً شاملاً.
تأتي هذه المطالب العسكرية في ظل بيئة سياسية معقدة، حيث تعهد المستشار الألماني أولاف شولتز، ومن بعده فريدريش ميرتس، بتحويل الجيش الألماني إلى “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، وتحمل مسؤولية أكبر عن دفاع القارة. هذا الوعد، الذي لاقى ترحيباً من حلفاء الناتو، يثير تساؤلات داخلية حول كيفية توفير الأعداد اللازمة من الأفراد. ورغم أن الخطة الحالية تعتمد على الخدمة التطوعية، فإن مشروع القانون يفتح الباب أمام إمكانية فرض شكل من أشكال الخدمة العسكرية الإلزامية، في حال تدهور الوضع الأمني أو عدم كفاية عدد المتطوعين. هذا التحول يعكس مرونة في التفكير الاستراتيجي، ويؤكد أن ألمانيا مستعدة لتكييف سياساتها الدفاعية مع التحديات المستقبلية. للمزيد من التفاصيل حول التوجهات الدفاعية الألمانية، يمكن الاطلاع على تحليلات متعمقة من مصادر موثوقة مثل دويتشه فيله.









