فن

أضواء جدة: حين تروي السينما قصص العالم على شاطئ البحر الأحمر

افتتاحية مهرجان البحر الأحمر السينمائي تجمع أساطير الفن وتكشف عن أصوات جديدة، في ليلة امتزج فيها الحاضر بالذاكرة.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

على ضفاف جدة، انطلق الضوء. انسكبت الألوان على السجادة الحمراء، معلنةً عن بدء رحلة جديدة في حب السينما. افتتح مهرجان البحر الأحمر السينمائي دورته الخامسة بوهج يليق بحكايات الشاشة الكبيرة، حيث تلاقت نظرات صناع الأفلام ونجومها من كل أصقاع الأرض، في مشهدٍ يختزل المسافات ويحتفي باللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع: لغة الفن.

أسطورة على ضفاف البحر

كانت اللحظة الأكثر تأثيراً حين أطل السير مايكل كين. ظهر على المسرح، أيقونة السينما البريطانية، محاطاً بأحفاده الثلاثة. لم تمنعه سنواته التسعون ولا كرسيه المتحرك من إلقاء نظرة دافئة على الحضور. تحدث عن رحلة طويلة بدأت من الصفر وتُوّجت بجائزتي أوسكار، في زيارته الأولى للمملكة التي بدت وكأنها فصل جديد في سيرة ذاتية حافلة. مشهد صامت، لكنه يحكي الكثير عن إرث يسلم للجيل القادم.

التمثيل… رحلة إلى الداخل

تجاوز التكريم حدود الاحتفاء بالمسيرة المهنية ليصل إلى عمق التجربة الإنسانية. وقفت الممثلة الفرنسية جولييت بينوش، وأخذت الحضور في رحلة إلى عالمها الداخلي. قالت بصوت هادئ: “كل أدواري، كل أفعالي، كانت في الداخل”. لم تكن كلماتها مجرد استعراض، بل كانت اعترافاً فنياً عميقاً بأن التمثيل بالنسبة لها كان صراعاً مستمراً مع الذات، وسيلة لفتح القلب والسمو بالروح. لقد كان الفن، كما وصفته، جسراً للتواصل مع الملهمين، ومن ثم إلهام الآخرين. “عندما يستلهم الممثل، يستطيع بدوره أن يلهم عدداً أكبر”.

صدى الذاكرة وصوت المستقبل

أما المخرج الجزائري رشيد بوشارب، فقد أعاد الزمن نصف قرن إلى الوراء. استدعى ذكرى والديه وهما يعبران جدة في طريقهما إلى مكة، ليغزل من خيوط الذاكرة الشخصية رابطاً ثقافياً متيناً. لم تكن كلماته مجرد شكر، بل شهادة على تحول المشهد. تحدث عن زمن كانت فيه أصوات السينمائيين العرب تكافح لتجد مساحة لها، وعن حاضرٍ تُبنى فيه المنصات الخاصة لتروي قصصها بنفسها. نظر إلى جواره، حيث جلست كريستين دانست وكوين لطيفة، ورأى في تلك الصورة تجسيداً لقدرة السينما على خلق حوار عالمي يتجاوز الحدود.

شاشة تروي حكايات جديدة

لم تكن الليلة مجرد احتفاء بالماضي، بل كانت نافذة مشرعة على المستقبل. جاء اختيار فيلم الافتتاح “العملاق” (Giant) ليؤكد هذا التوجه، فالعمل المستلهم من قصة الملاكم نسيم حميد يمثل نموذجاً للتقارب بين الشرق والغرب. وعلى مدى الأيام القادمة، ستعرض 111 قصة من 70 دولة، من بينها أعمال عربية واعدة في المسابقة الرسمية، وأصوات سعودية شابة ضمن برنامج “السينما السعودية الجديدة”. وبموازاة العروض، ينبض “سوق البحر الأحمر” بالحياة، حيث يلتقي المنتجون والموزعون لرسم ملامح الصناعة، في تأكيد على أن كل فيلم عظيم يبدأ بفكرة، وحلم، ولقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *