رسائل موسكو لـ«اليونسكو» الجديدة: دعم مشروط بالحياد
في لقاء بسمرقند، روسيا ترحب بتوجهات خالد العناني وتؤكد على ضرورة إبعاد المنظمة عن الاستقطاب السياسي العالمي.

في خطوة دبلوماسية لافتة، رسمت موسكو ملامح تعاملها مع الإدارة الجديدة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، حيث التقى نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر بانكين، بالمدير العام الجديد، الدكتور خالد العناني. اللقاء الذي جرى على هامش المؤتمر العام للمنظمة في سمرقند، حمل رسائل واضحة تعكس رؤية روسيا لدور المنظمة في ظل التجاذبات الدولية الراهنة.
وأعرب المسؤول الروسي عن ترحيب بلاده بالتزام الدكتور العناني بتعزيز الحوار المتساوي «غير المسيّس» بين الدول الأعضاء، وهو تعبير يكتسب أهمية خاصة في السياق الحالي. وأكد بانكين، بحسب بيان للخارجية الروسية، أن موسكو ستظل مساهماً مسؤولاً في ميزانية المنظمة وشريكاً موثوقاً للدول النامية، مشدداً على استعدادها لتقديم “مساهمة كبيرة” في أنشطة اليونسكو البرنامجية.
ما وراء الدعم الروسي
يرى مراقبون أن الموقف الروسي لا يقتصر على مجرد ترحيب بروتوكولي، بل يمثل تأكيداً على رغبة موسكو في ضمان بقاء اليونسكو كمنصة محايدة بعيدة عن الاستقطاب الذي تشهده منظمات دولية أخرى. فالتشديد على “عدم التسييس” يُقرأ على أنه رسالة مباشرة بضرورة تجنب استخدام المنظمة كساحة لتصفية الحسابات السياسية، خاصة في ظل التوترات بين روسيا والدول الغربية.
ويضيف هذا الموقف بعداً استراتيجياً، حيث تسعى روسيا لتأكيد حضورها كقوة فاعلة ومسؤولة على الساحة الدولية، في مواجهة محاولات عزلها. وبحسب محللين، فإن “دعم موسكو لقيادة العناني يأتي ضمن محاولة استباقية للتأثير في توجهات المنظمة المستقبلية، وضمان عدم انحيازها لأجندات سياسية معينة”.
تحديات على طاولة العناني
يتسلم المدير العام الجديد قيادة اليونسكو في مرحلة بالغة التعقيد، فالمنظمة لم تتعاف بالكامل بعد من أزمات الميزانية التي تفاقمت بسبب الانسحابات السابقة، كما أن عودة الولايات المتحدة إليها مؤخراً يفرض تحديات جديدة تتعلق بتوازن القوى داخل أروقتها. ويضع الموقف الروسي على عاتق العناني مهمة دقيقة تتمثل في إدارة هذه التوازنات والحفاظ على استقلالية القرار داخل المنظمة.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي، في تصريح لنيل نيوز: “إن الترحيب الروسي هو رسالة مزدوجة؛ فهو دعم للمدير العام الجديد من جهة، وتحذير مبطن من انحياز المنظمة للمواقف الغربية من جهة أخرى، مما يضع العناني أمام اختبار حقيقي للحفاظ على جوهر ميثاق اليونسكو القائم على التعاون الثقافي والعلمي لا الصراع السياسي”.
وفي المحصلة، يبدو أن فترة ولاية الدكتور خالد العناني على رأس اليونسكو ستكون محكومة بقدرته على التنقل بمهارة بين الألغام السياسية، وتحويل التحديات المالية والجيوسياسية إلى فرصة لإعادة تأكيد الدور المحوري للمنظمة كجسر للتواصل بين الثقافات والشعوب، بعيداً عن لغة الصراعات التي تهيمن على المشهد العالمي.









