فن

بين زيف العلاقات الافتراضية و«فوبيا الآخر».. كيف يشرّح محمد جراح وجدان المجتمع المصري؟

معالجة سردية تبحث في اغتراب الإنسان المعاصر وتماسك النسيج الوطني ضد التطرف

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

يطرح الكاتب والإعلامي المصري محمد جراح في إصداراته الأخيرة تساؤلات حادة حول مآلات الهوية المصرية تحت وطأة التحولات الرقمية والاجتماعية المتسارعة، عبر كتابين صدرا حديثاً عن دار “وعد” للنشر والتوزيع. الإصدار الأول، وهو مجموعة قصصية تحمل اسم «وجه صباح»، يتتبع ملامح الاغتراب الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي، بينما يمثل كتاب السيرة «حكايتي مع الكنيسة» شهادة فكرية تسعى لتفكيك الحواجز النفسية بين شركاء الوطن الواحد.

ويعالج جراح في «وجه صباح» صدمة التكنولوجيا التي طالت بنية العلاقات الإنسانية في مصر، مخصصاً فصلاً كاملاً بعنوان «حساب مجهول الهوية» لرصد تحول المشاعر البشرية إلى مجرد صيغ مكررة وقوالب جاهزة. ويتكامل هذا الطرح مع سياق رصده نقاد الأدب حول تنامي موجات الاغتراب الرقمي في الرواية العربية الحديثة، حيث باتت الخوارزميات والواقع الافتراضي يعيدان تشكيل الفضاءات التقليدية للقرية والمدينة، وهي الثيمة التي تبرز بوضوح في قصة «ألسن أبي السبعة» التي ترصد ضياع الأرض أمام الأنماط الاستهلاكية الجديدة.

المجموعة التي حجزت موقعاً لها في القائمة الطويلة لجائزة الكاتب الرائد محمود تيمور للقصة القصيرة عام 2025، تعيد إحياء مدرسة التشريح الاجتماعي بأسلوب يمزج بين السخرية المرة والدراما الإنسانية. وتأتي هذه الجائزة امتداداً للاحتفاء بالفن القصصي القصير الذي أسس تيمور قواعده الكلاسيكية في النصف الأول من القرن العشرين، بهدف رصد التحولات العميقة في حياة الطبقات الشعبية والمهمشة.

على الجانب الآخر، يذهب كتاب «حكايتي مع الكنيسة» مباشرة نحو جوهر العيش المشترك متجاوزاً الأطر السياسية التقليدية إلى ما يصفه الكاتب بـ”القدر المشترك”. هذه الرؤية تعيد تذكير القارئ بالمنطلقات الفكرية لـ ثورة 1919 المصرية، التي صهرت النسيج الوطني تحت شعار الهلال والصليب، حيث يصر جراح على أن البنية الاجتماعية المصرية عصية على الغلو والتطرف، مهدياً عمله بعبارة لافتة: “إلى الله الذي أرادنا أن نختلف حتى نلتقي لنكون في معيته”.

المسيرة الإبداعية الطويلة للكاتب، والتي تكللت بتسع روايات من بينها «العابدة» و«جمع تكسير»، وثلاث مجموعات قصصية سابقة، تمنح كتاباته الجديدة عمقاً معرفياً يتجاوز الطرح العابر؛ مستنداً إلى خبرته التوثيقية السابقة في تفكيك قضايا الهوية والسياسة والمجتمع.

مقالات ذات صلة