عرب وعالم

“الهاغيس” الإسكتلندي: طبق “الأحشاء” الممنوع في أمريكا والمزدهر عالمياً

من معدة الأغنام إلى قوائم الطعام العالمية: رحلة طبق لا يزال محظوراً في واشنطن

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

لا يزال “الهاغيس”، الطبق الوطني الإسكتلندي المكون من أحشاء الأغنام، يُعامل في الولايات المتحدة كمعاملة السيجار الكوبي؛ مادة محظورة يُمنع استيرادها منذ عام 1971 بسبب قوانين وزارة الزراعة الأمريكية التي تحظر استهلاك رئة الماشية. ورغم هذا المنع، يصفه الطاهي الراحل أنتوني بوردين بأنه “واحد من أعظم ملذات الحياة”، معتبراً إياه أكثر طعام تعرض للظلم والنفور غير المبرر في العالم.

يتكون الهاغيس تاريخياً من فرم رئة وكبد وقلب الأغنام، وخلطها مع الشوفان وشحم البقر والبصل والتوابل، ثم حشوها داخل معدة الخروف وغليها. هذا المزيج الذي قد لا يبدو جذاباً للتصوير في عصر “الأكل النظيف”، تحول إلى أيقونة صمود ثقافي في وجه الوجبات السريعة والمعالجة.

تتجاوز القصة مجرد وصفة قديمة؛ ففي إسكتلندا اليوم، لم يعد الهاغيس حبيس المعدة التقليدية أو قصائد الشاعر روبرت بيرنز التي مجدت “زعيم سباق البودينغ”. دخل الطبق مرحلة التجديد الشامل؛ إذ تستخدمه الكاتبة سو لورانس كبديل للحم المفروم في “اللازانيا”، أو كحشوة لـ “البسطيلة” المغربية مع المشمش واللوز وزينة السكر والقرفة. وفي غلاسكو، ابتكرت الجالية السيخية “باكورا الهاغيس” في التسعينيات، لتتبعها لاحقاً نسخ من السنبوسة والـ “كيسادييا” المكسيكية، وحتى النسخ النباتية التي تعتمد على البقوليات والفطر بدلاً من الأحشاء.

اقتصادياً، يزدهر الطبق كخيار عملي بامتياز. يبلغ سعر الكيلوغرام منه في الأسواق الإسكتلندية حوالي 6 جنيهات إسترلينية (7.70 دولار)، وهو ما يمثل نصف سعر أرخص قطع لحم البقر. يقول سايمون هوي، أحد كبار المنتجين الذين يغطون 60% من السوق، إن الهاغيس يقدم قيمة غذائية عالية بتكلفة منخفضة، كما أنه سهل التحضير كونه يصل للمستهلك مطهواً مسبقاً، ولا يتطلب سوى التسخين، سواء في مطبخ طالب جامعي أو مطعم حائز على نجمة ميشلان.

وبعيداً عن المطبخ، تداخل الهاغيس مع الأساطير المحلية بشكل ساخر؛ إذ تشير استطلاعات إلى أن ثلث السياح الأمريكيين في إسكتلندا يعتقدون أن “الهاغيس” هو كائن بري صغير يعيش في التلال وله أرجل متفاوتة الطول تساعده على الجري حول الجبال. ورغم أن جذور الطبق قد تعود إلى الفايكنج أو حتى اليونان القديمة، إلا أن الإسكتلنديين نجحوا في احتكاره كرمز للهوية الوطنية، وهو ما يؤكده المراهقون اليوم في نوادي الرغبي المحلية، حيث يصفونه بأنه “حضن للمعدة” ووجبة دافئة تعبر عن انتمائهم.

مقالات ذات صلة