فن

فضل شاكر: اللحن الأخير أمام القضاء العسكري

تأجيل محاكمة الفنان اللبناني في بيروت يفتح فصلاً جديداً في قصة تمتد من أضواء الشهرة إلى ظلال السياسة.

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

في قاعة المحكمة العسكرية ببيروت، حيث لا مكان للأنغام سوى صدى الإجراءات القانونية الصارمة، وقف الفنان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بصوته، فضل شاكر، في مواجهة مصير طال انتظاره. عاد الصوت. لكن ليس للغناء. كانت الأنظار معلقة على هذه اللحظة التي تختزل سنوات من الجدل والغياب، وهي لحظة بدت وكأنها مشهد من سردية درامية معقدة، أبطالها الفن والسياسة والقانون. لم تدم الجلسة طويلاً، فقد أُرجئت المحاكمة إلى الثالث من فبراير المقبل، مانحةً الجميع، وربما التاريخ نفسه، مهلة إضافية للتأمل في هذا التحول الجذري.

جاء التأجيل بناءً على طلب وكيلته القانونية، المحامية أماتا مبارك، التي وقفت لتطلب وقتاً ضرورياً للغوص في ملفات قضائية متشعبة، فكل ورقة فيها تحمل جزءاً من حكاية الرجل الذي انتقل من مسارح الحب إلى ساحات الخلاف. ورغم طلبها عقد الجلسة بعيداً عن الأعين، جاء قرار رئيس المحكمة، العميد وسيم فياض، حاسماً برفض الطلب، لتظل فصول هذه القصة تُروى على الملأ، شاهدة على أن العدالة، مثل الفن، تتطلب الوضوح.

### لحنٌ مؤجل في قاعة المحكمة

لم تكن هذه مجرد محاكمة عادية. إنها محطة فاصلة في مسيرة فنان كان يُلقب بـ”ملك الإحساس”، واليوم يواجه تهماً ثقيلة تُلقي بظلالها على ذلك اللقب. أربع دعاوى تتصل بالانتماء إلى تنظيم مسلح، وتمويله، وحيازة أسلحة، والنيل من هيبة الدولة، وهي تهم تبدو بعيدة كل البعد عن عالم الأغنية الرومانسية التي بنى عليها شهرته. هذا التناقض الصارخ هو ما يمنح قضيته بعدها الثقافي العميق، فهي ليست مجرد قضية قانونية، بل هي سؤال مفتوح حول علاقة الفنان بمجتمعه وانعكاسات مواقفه على فنه ومصيره. لحظة صمت، ربما كانت ضرورية لالتقاط الأنفاس قبل استكمال هذا اللحن القضائي المعقد.

يأتي هذا المثول أمام القضاء بعد أسابيع قليلة من خطوة مفاجئة أنهت سنوات من الاختباء داخل أزقة مخيم عين الحلوة، حين سلم شاكر نفسه لمديرية المخابرات في الجيش اللبناني. كانت تلك الخطوة بمثابة إسدال للستار على فصل طويل من الغياب، وفتحاً لباب المحاسبة الذي طالما انتظره الرأي العام. وقد أكد [بيان الجيش اللبناني](https://www.lebarmy.gov.lb/) آنذاك أن التحقيق قد بوشر بإشراف القضاء المختص، في إشارة إلى أن المسار القانوني قد بدأ يأخذ مجراه الطبيعي، بعيداً عن التكهنات الإعلامية.

### من أغاني الحب إلى ظلال عبرا

إن قصة فضل شاكر هي انعكاس لتحولات كبرى شهدها لبنان والمنطقة. فنان وصل إلى قمة المجد الفني، ثم اختار طريقاً آخر قاده إلى الارتباط بمجموعة الشيخ أحمد الأسير وأحداث عبرا الدامية عام 2013، وهي الأحداث التي شكلت نقطة اللاعودة في مسيرته. كيف يمكن للصوت الذي غنى “يا غايب” و”الله أعلم” أن يصمت فجأة ليحل محله صدى السلاح والخطاب المتشدد؟ هذا هو السؤال الذي لا يزال يتردد في الأوساط الثقافية والفنية، وهو ما يجعل محاكمته حدثاً يتجاوز أبعاده الشخصية ليلامس الذاكرة الجماعية.

ينتظر الجمهور اللبناني والعربي الجلسة المقبلة، ليس فقط لمعرفة مصير فضل شاكر القانوني، بل ربما للحصول على إجابات شافية عن أسئلة بقيت معلقة لسنوات. هل يمكن للفن أن يغفر لصاحبه؟ وهل يمكن للفنان أن يعود من المنفى الذي اختاره لنفسه؟ تبقى الإجابات مؤجلة، تماماً كالمحاكمة، على أمل أن يأتي شهر فبراير بحكم ينهي هذا اللحن الحزين الذي طال عزفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *