رسائل طهران النووية: بين الطمأنة والتمسك بالثوابت
بعد حرب الـ12 يوماً.. إيران تبعث برسائل جديدة لواشنطن بشأن برنامجها النووي المثير للجدل

مبادرة حذرة
في خطوة تبدو محسوبة بعناية، خرجت طهران برسائل جديدة حول برنامجها النووي الإيراني، مؤكدةً رغبتها في التوصل إلى اتفاق سلمي. تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، اليوم الثلاثاء، حملت في طياتها مزيجًا من الطمأنة والتمسك بالخطوط الحمراء، وهو ما يعكس، بحسب مراقبين، تعقيد المشهد الحالي بعد فترة من التوتر العسكري الشديد.
رسائل متناقضة
أشار خطيب زاده إلى نقطة محورية حين قال إن طهران تلقت “رسائل متناقضة من واشنطن عبر دول ثالثة”، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الحوار الدائر في الكواليس. فبينما تؤكد إيران استعدادها لطمأنة العالم بأنها لا تسعى لامتلاك قنابل نووية، فإنها تشدد في الوقت ذاته على أن أمنها القومي “لا مساومة عليه”، في إشارة واضحة إلى أن أي تفاوض لن يمس قدراتها الدفاعية أو ثوابتها الاستراتيجية.
سياق متوتر
تأتي هذه التصريحات في أعقاب فترة عصيبة شهدت تصعيدًا غير مسبوق. فالذاكرة ما زالت تحمل أصداء الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقًا. هذا التوتر العسكري تزامن مع عودة العقوبات الدولية بعد تفعيل الترويكا الأوروبية لـ”آلية الزناد”، وهو ما يضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط هائل، وربما يفسر جزئيًا هذا التحرك الدبلوماسي الجديد.
مفاوضات متعثرة
لا يمكن فصل هذه التطورات عن مسار المفاوضات المتعثرة التي سبقت الحرب. فقد عُقدت خمس جولات من المحادثات غير المباشرة بين طهران وإدارة ترامب، لكنها انهارت قبل انطلاق الجولة السادسة. يُظهر هذا التاريخ القريب مدى هشاشة الثقة بين الطرفين، وكيف يمكن لشرارة واحدة أن تعيد المنطقة بأكملها إلى حافة الهاوية. يبدو أن كل طرف يختبر نوايا الآخر بحذر شديد.
تحليل الدوافع
يرى محللون أن تصريحات خطيب زاده تمثل بالون اختبار إيرانيًا، يهدف إلى استكشاف مدى جدية إدارة ترامب في العودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة بعد تصريح الرئيس الأمريكي بأنه مستعد للتفاوض. إيران، من جانبها، تحاول تحقيق توازن صعب: تخفيف الضغط الاقتصادي دون تقديم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي الذي تصفه بـ”المحلي” وتفخر به. إنه مشهد معقد بالفعل، حيث تتداخل الحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الدولية.
ماذا بعد؟
في المحصلة، تضع تصريحات المسؤول الإيراني الكرة في ملعب واشنطن، وتترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، لكن بشروط إيرانية واضحة. ويبقى السؤال الأهم معلقًا: هل يمكن لهذه الرسائل الحذرة أن تمهد الطريق لجولة جديدة من المفاوضات الحقيقية، أم أنها ستتبدد وسط ضجيج “الرسائل المتناقضة” والشكوك المتبادلة التي تخيم على علاقة البلدين منذ عقود؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.











