التأمين المصري: نمو لافت واستراتيجية طموحة لمواجهة تحديات العصر
ملتقى شرم الشيخ يكشف عن قفزة في الأقساط والتعويضات وخطة شاملة لمستقبل القطاع

شهدت مدينة شرم الشيخ مؤخرًا فعاليات الدورة السابعة لملتقى التأمين وإعادة التأمين، حيث ألقى علاء الزهيري، رئيس الاتحاد المصري لشركات التأمين، الضوء على تحولات جوهرية يشهدها القطاع. تأتي هذه التحولات مدعومة بنمو قياسي في الأقساط والتعويضات، ورؤية استراتيجية واضحة لمواجهة التحديات العالمية والمحلية.
أداء قوي ونمو قياسي
كشف الزهيري عن أرقام لافتة تعكس حيوية القطاع، حيث ارتفع إجمالي الأقساط التأمينية إلى 82.3 مليار جنيه مصري بنهاية العام المالي 2023/2024، مسجلاً نموًا بنسبة 34% مقارنة بالعام السابق. هذا النمو لم يقتصر على الأقساط فحسب، بل امتد ليشمل إجمالي التعويضات المسددة التي بلغت 37 مليار جنيه، بزيادة مماثلة، في مؤشر يعكس قدرة القطاع على الوفاء بالتزاماته تجاه حملة الوثائق، فضلاً عن ارتفاع استثمارات شركات التأمين إلى 298 مليار جنيه بمعدل نمو 43%، ما يشير إلى ثقة السوق وقدرته على جذب رؤوس الأموال.
يُعزى هذا الأداء القوي إلى التطورات الإيجابية التي يشهدها الاقتصاد المصري عمومًا، والدعم المستمر من الهيئة العامة للرقابة المالية التي تعمل على تهيئة بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة. يرى محللون اقتصاديون أن هذا النمو يعكس أيضًا زيادة الوعي بأهمية الحماية التأمينية في ظل التقلبات الاقتصادية، مما يدفع الأفراد والشركات نحو تأمين أصولهم ومستقبلهم.
قانون موحد وريادة إقليمية
وفي سياق هذه التطورات، يمثل صدور قانون التأمين الموحد لعام 2024 نقطة تحول محورية، إذ يُتوقع أن يُسهم في تحديث الإطار التشريعي للقطاع، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية ويعزز من قدرته التنافسية. يأتي ذلك بالتزامن مع احتفال الاتحاد المصري لشركات التأمين بمرور أكثر من سبعين عامًا على تأسيسه، في دلالة على عراقة القطاع ودوره المتواصل في خدمة الاقتصاد الوطني.
لم يقتصر دور الاتحاد على التنظيم المحلي، بل امتد ليشمل تعزيز الحضور الإقليمي والدولي للقطاع المصري. فقد نجح في استضافة فعاليات كبرى مثل المؤتمر الرابع للتأمين متناهي الصغر والمنتدى الإقليمي العاشر للتأمين الشامل في أفريقيا، بالإضافة إلى استضافة منتدى الاتحاد الدولي للتأمين البحري (IUMI MENA) لأول مرة في مصر، مما يؤكد على مكانة القاهرة كمركز إقليمي لصناعة التأمين. على صعيد تنمية الكوادر، أولى الاتحاد اهتمامًا خاصًا بتأهيل الكوادر الاكتوارية، عبر بروتوكولات تعاون مع جامعات عريقة كجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية، لضمان رفد السوق بالخبرات المتخصصة التي تتماشى مع التحديات المستقبلية.
استراتيجية طموحة لمستقبل القطاع
وفي إطار رؤيته المستقبلية، كشف رئيس الاتحاد عن استراتيجية طموحة للفترة 2025-2029، ترتكز على أربعة محاور رئيسية:
- توسيع نطاق الحماية التأمينية ليشمل شرائح مجتمعية أوسع.
- دعم الابتكار والتكنولوجيا التأمينية (InsurTech) لمواكبة التحول الرقمي.
- دمج مبادئ الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG).
- تعزيز الشفافية في السوق التأميني.
هذه المحاور تعكس فهمًا عميقًا للمتغيرات العالمية وتطلعات السوق المحلي، وتستهدف تحويل قطاع التأمين إلى محرك للتنمية الشاملة، وقادر على التكيف مع التحديات المتجددة.
مبادرات عملية لمواجهة التحديات العالمية
بدأ الاتحاد بالفعل في ترجمة هذه الاستراتيجية إلى خطوات عملية، من خلال توقيع بروتوكول تعاون مع هيئة الرعاية الصحية لتعزيز التأمين الطبي، واستعداده لاستضافة المؤتمر السنوي الثاني والخمسين والجمعية العامة للمنظمة الأفريقية للتأمين (AIO) في القاهرة عام 2026، مما يعزز من دور مصر الريادي في القارة. تأتي هذه الجهود في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية وتكنولوجية متسارعة، وتغيرات ديموغرافية واجتماعية تفرض تحديات جديدة على صناعة التأمين، وتؤكد على ضرورة الابتكار والمرونة في تقييم المخاطر وإدارتها.
وفي خطوة تعكس الالتزام بالمسؤولية المجتمعية، أعلن الاتحاد عن إطلاق مبادرة “Go Green” بالتعاون مع الهيئة العامة للرقابة المالية ومحافظة جنوب سيناء، لترسيخ مفاهيم الاستدامة البيئية في صلب عمل القطاع. كما أطلق حملة توعية إعلامية واسعة النطاق لمدة عامين، بهدف تعزيز الثقافة التأمينية لدى الجمهور وتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يلعبه التأمين في حماية الأفراد والمؤسسات والمجتمع من المخاطر المتعددة.
تُظهر هذه التطورات والخطط الطموحة أن قطاع التأمين المصري لا يكتفي بالنمو الكمي، بل يسعى إلى تعزيز دوره النوعي كشريك أساسي في التنمية المستدامة، وقادر على التكيف مع المتغيرات العالمية والمحلية. ومع استراتيجية واضحة ودعم مؤسسي، يبدو القطاع مهيأً لمرحلة جديدة من الريادة والابتكار، مما يعزز من مرونة الاقتصاد المصري في مواجهة تحديات المستقبل.






