صحة

بيانات الأوبئة مقابل المساعدات: شرط أمريكي جديد يهدد الإنصاف الصحي العالمي

واشنطن تربط مساعداتها الصحية بشرط جديد... هل يتكرر سيناريو 'قومية اللقاحات'؟

محررة في قسم الصحة، تهتم بتغطية القضايا المتعلقة بالغذاء والوقاية وأسلوب الحياة الصحي

في خطوة قد تعيد تشكيل قواعد التعاون الصحي الدولي، كشفت مسودة وثيقة أمريكية عن توجه واشنطن لربط مساعداتها الصحية المقدمة للدول بشرط جديد، يتمثل في إلزامها بمشاركة بيانات مسببات الأمراض التي قد تتحول إلى أوبئة عالمية. هذه الخطوة، التي تأتي في وقت حرج تتفاوض فيه دول العالم على معاهدة دولية لمواجهة الجوائح، تثير جدلاً واسعاً حول مستقبل الإنصاف الصحي العالمي.

وفقاً للوثيقة التي اطلعت عليها وكالات أنباء دولية، تطالب الولايات المتحدة الدول المتلقية للمساعدات بتقديم عينات مسببات الأمراض وبيانات تسلسلها الجيني في غضون خمسة أيام فقط من اكتشاف أي تفشٍ مرضي. لكن المقترح لا يتضمن أي التزام أمريكي مقابل بضمان وصول الأدوية أو اللقاحات التي قد يتم تطويرها باستخدام هذه البيانات إلى الدول التي قدمتها، وهو ما يفتح الباب أمام تكرار سيناريو أزمة “كوفيد-19”.

مخاوف من تكريس “قومية اللقاحات”

يحذر خبراء في الصحة العالمية من أن هذا الخلل في المقترح الأمريكي من شأنه أن يكرس حالة اللامساواة التي شهدها العالم خلال الجائحة الأخيرة، حين كافحت الدول منخفضة الدخل للحصول على اللقاحات رغم أنها كانت في كثير من الأحيان مصدراً للبيانات الأولية حول الفيروس. فالمقترح يحوّل البيانات الحيوية من منفعة عامة عالمية إلى أصل استراتيجي، وهو ما يثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول مبادئ التضامن الدولي.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي أحمد السيد، المتخصص في العلاقات الدولية، أن “هذه الخطوة، إن تمت، قد تمنح واشنطن نفوذاً استراتيجيًا في مجال الأمن الصحي العالمي، لكنها قد تأتي على حساب الثقة مع شركائها في الجنوب العالمي الذين يشعرون بأنهم يُستغلون مرة أخرى”. ويغطي الاتفاق المقترح المساعدات حتى عام 2030، لكن بند مشاركة البيانات يمتد إلى 25 عامًا، ما يجعله التزامًا طويل الأمد.

تجاوز للأطر متعددة الأطراف

يأتي المقترح الأمريكي ليتعارض بشكل مباشر مع المفاوضات الجارية في منظمة الصحة العالمية، حيث تسعى الدول للتوصل إلى معاهدة لمواجهة الجائحة تضمن الوصول العادل للمنافع. وقد انتقد مايكل كازاتشكين، الرئيس السابق للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، هذه التوجهات الثنائية قائلاً إنها “ستتجاوز منظمة الصحة العالمية والأسس التي نحاول بناءها هنا من تضامن وإنصاف”.

ورغم تأكيد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية التزام بلاده بالشفافية، فإن الردود الرسمية لا تزال غامضة. وأكدت وزارة الصحة في غانا تلقيها وثيقة بالشروط الأمريكية، بينما أفاد متحدث باسم منظمة الصحة العالمية بعدم امتلاك المنظمة معلومات كافية حولها، مشدداً على أن أي اتفاق دولي يجب أن يضمن تقاسم المنافع بشكل عادل ومنصف.

وفي المحصلة، تضع هذه الشروط الأمريكية الدول النامية أمام معضلة صعبة بين قبول المساعدات الصحية الحيوية، وبين التنازل عن حقها في الاستفادة من الابتكارات الطبية المستقبلية. ويبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من التجاذب السياسي في قطاع الصحة، قد تحدد معالم الاستجابة لأي أزمة صحية قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *