اقتصاد

فنزويلا تلغي اتفاقات الطاقة مع ترينيداد: تصعيد في أزمة الكاريبي

فنزويلا-ترينيداد-الكاريبي-أزمة-الطاقة-الولايات-المتحدة-مادورو-رودريغيز-تهريب-المخدرات

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خطوة تعكس تصاعد التوترات الإقليمية، أعلنت فنزويلا إلغاء اتفاقات الطاقة الحيوية مع جارتها ترينيداد وتوباغو. يأتي هذا القرار الحاسم رداً على دعم ترينيداد للعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي، مما يضع مستقبل التعاون الاقتصادي على المحك ويفتح الباب أمام تداعيات جيوسياسية أوسع.

أكد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطاب بثه التلفزيون الرسمي، إلغاء اتفاق الإطار للطاقة الذي كان يتيح للبلدين إبرام صفقات غاز مشتركة. أوضح مادورو أن هذا المقترح جاء من نائبة الرئيس ووزيرة النفط ديلسي رودريغيز، في إشارة إلى مركزية القرار داخل القيادة الفنزويلية وتأكيد على أهمية الملف.

خلفيات قرار التعليق

لم يتردد مادورو في توضيح دوافع هذا القرار، مشيراً إلى ما وصفه بـ “تهديد رئيسة الوزراء” بتحويل ترينيداد إلى “حاملة طائرات تابعة للإمبراطورية الأمريكية” ضد فنزويلا وأمريكا الجنوبية. وشدد على أنه لا يوجد بديل سوى التعليق الكامل لـ اتفاقات الطاقة في مواجهة هذا الموقف الذي يراه تهديداً مباشراً لأمن بلاده.

وأشار الرئيس الفنزويلي إلى أنه سيحيل المقترح إلى المحكمة العليا والجمعية الوطنية ومجلس الدولة، للحصول على توصياتهم قبل اتخاذ “إجراء هيكلي” وشامل قريباً. هذا المسار القانوني والدستوري يعكس رغبة كاراكاس في إضفاء الشرعية على قرارها وتأكيد سيادتها في مواجهة ما تعتبره تدخلاً خارجياً.

تعتمد ترينيداد بشكل كبير على الغاز الفنزويلي لتعويض النقص في إمداداتها المحلية، التي تغذي قطاعها الصناعي الحيوي، وهو العمود الفقري لاقتصادها الهش. ورغم ذلك، ردت رئيسة وزراء ترينيداد، كاملا برساد بيسيسار، على تهديدات رودريغيز بالقول إن “مستقبل البلاد لا يعتمد على فنزويلا ولم يكن كذلك أبداً”، في محاولة للتقليل من شأن التبعية الاقتصادية.

من جانبها، اتهمت ديلسي رودريغيز حكومة ترينيداد بتبني “موقف عدائي” و “خطة حربية” ضد فنزويلا، من خلال “الانحياز إلى الأجندة العسكرية الأمريكية”. هذه الاتهامات تكشف عن عمق الخلاف وتصوره كجزء من صراع أوسع على النفوذ في المنطقة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية بالاستراتيجيات الأمنية.

تداعيات الدعم الأمريكي

وكانت برساد بيسيسار قد رحبت في تصريحات سابقة بالهجوم الأمريكي على مهربي المخدرات، داعية إلى “قتلهم بقسوة”، وهو ما أثار جدلاً واسعاً. هذا الموقف أدى إلى عزل ترينيداد عن دول ناطقة بالإنجليزية أخرى في الكاريبي، التي تصر على إبقاء المنطقة “منطقة سلام” بعيداً عن الصراعات العسكرية والتدخلات الخارجية.

تأتي هذه اللهجة الفنزويلية المتصاعدة بالتزامن مع تعزيز الولايات المتحدة لحملتها العسكرية في المنطقة، التي استهدفت زوارق يُزعم أنها تُستخدم في تهريب المخدرات. وقد وجهت واشنطن اتهامات مباشرة لكل من مادورو والرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بتهريب الفنتانيل والكوكايين إلى أمريكا، مما يضيف بعداً جنائياً للتوترات السياسية.

وبحسب شبكة “سي بي إس نيوز”، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في جنوب الكاريبي، حيث رست مدمرة مزودة بصواريخ موجهة في ترينيداد مؤخراً. هذا التواجد العسكري المكثف يضيف طبقة جديدة من التعقيد للوضع، ويؤكد أن المنطقة أصبحت ساحة لتنافس القوى الكبرى وتأكيد النفوذ.

تقلبات استيراد الغاز وتأثيرها

شهدت علاقة ترينيداد بـ استيراد الغاز من فنزويلا تقلبات حادة، حيث منحت إدارة ترمب ترينيداد تصريحاً محدوداً لاستيراد الغاز، قبل أن تلغيه ثم تعيد إصداره مجدداً. هذه التراخيص المتقطعة بين الإلغاء والإعادة هزّت ثقة ترينيداد، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على صادرات الغاز المسال والبتروكيماويات والأسمدة، مما يضعها في موقف حرج ويؤثر على استقرارها الاقتصادي.

تصريحات رودريغيز الأخيرة جاءت بعد اتهامات فنزويلية خلال عطلة نهاية الأسبوع لترينيداد بأنها تشارك في مؤامرة مدبرة لأسباب مزيفة مع الولايات المتحدة لتدبير هجوم على أراضيها. هذه الاتهامات تعكس مستوى عميقاً من انعدام الثقة بين الجانبين، وتؤشر إلى تدهور حاد في العلاقات الإقليمية.

لاحقاً، أعلن مادورو أن حكومته اعتقلت مجموعة من المرتزقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، زعم أنهم “تلقوا تدريباً وتمويلاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” وكانوا يخططون لتنفيذ “هجوم ذاتي” على المدمرة الأمريكية “يو إس إس غرافيلي” التي رست في عاصمة ترينيداد. وأوضح أنه قدم كل الأدلة لحكومة ترينيداد، التي “أخذت علماً بها”، لكنه اتهم برساد بيسيسار بأنها تعمل “كأداة” للولايات المتحدة في المنطقة، في إشارة إلى تبعية مزعومة.

وأكدت رودريغيز أن مجلس إدارة شركة النفط الوطنية الفنزويلية “بيتروليوس دي فنزويلا” (PDVSA) قرر اقتراح الإنهاء الفوري لـ اتفاق إطار التعاون في مجال الطاقة بين فنزويلا و ترينيداد. هذا الاتفاق، الذي وُقع عام 2015 لمدة 10 سنوات وجرى تجديده هذا العام لخمس سنوات إضافية، يمثل خسارة كبيرة للطرفين وقد يؤثر على استقرار إمدادات الطاقة في المنطقة.

منذ أوائل سبتمبر الماضي، أعلنت القوات الأمريكية عن تنفيذ عشر هجمات على زوارق يُعتقد أنها مرتبطة بعمليات تهريب مخدرات في الكاريبي، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصاً. هذه العمليات تبرز حجم الجهود الأمريكية لمكافحة التهريب في المنطقة، وتأثيرها على الديناميكيات الإقليمية، وتزيد من تعقيد أزمة الكاريبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *