الذهب يلتقط أنفاسه والفضة تتراجع.. هل انتهت موجة الصعود التاريخية للمعادن النفيسة؟

بعد رحلة صعود أسطورية حطمت الأرقام القياسية، يبدو أن أسواق المعادن النفيسة قررت التقاط الأنفاس. فبينما استقر الذهب بعد تراجعه، بدأت الفضة رحلة جني أرباح سريعة، مما يطرح سؤالاً ملحاً في أوساط المستثمرين: هل هي استراحة محارب أم بداية تصحيح؟
موجة جني أرباح تضرب الأسواق
في كواليس التداولات، هدأ بريق الذهب الأصفر قليلاً ليستقر قرب مستوى 3,980 دولاراً للأونصة، بعد أن تراجع بنسبة 1.6% في جلسة سابقة. يأتي هذا الهدوء النسبي بعد موجة صعود جامحة استمرت أربعة أيام متتالية، دفعت أسعار الذهب إلى قمة تاريخية غير مسبوقة عند 4,059.31 دولار يوم الأربعاء، وهو ما جعل المؤشرات الفنية تصرخ بأن المعدن في منطقة “التشبع الشرائي”، دافعة المستثمرين لحصد مكاسبهم.
لم تكن الفضة بمنأى عن هذا التحول، حيث تراجعت هي الأخرى بعد أن لامست 51.235 دولار للأونصة، وهو أعلى سعر تصل إليه منذ ما يقرب من 40 عامًا. ورغم هذا التراجع، لا يزال المعدن الأبيض محققًا لمكاسب صاروخية تقارب 70% منذ بداية العام، متفوقًا بفارق كبير على مكاسب الذهب، مما يؤكد أن ما يحدث هو عملية “تثبيت أرباح” طبيعية بعد صعود هائل.
لماذا صعدت المعادن النفيسة إلى هذه القمة؟
هذا الاهتمام المحموم بالمعادن الثمينة لم يأتِ من فراغ، بل تغذى على كوكتيل من المخاوف الاقتصادية العالمية. يقف خلف هذا الصعود قلق متزايد من تضخم أسواق الأسهم بشكل مبالغ فيه، وضغوط مالية هائلة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تهديدات تحوم حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما يضعف الثقة في العملات التقليدية.
ومن المفارقات أن تراجع الذهب تزامن مع هبوط الأسهم الأمريكية، فعلى الرغم من أن الذهب يُعرف بأنه الملاذ الآمن وقت الأزمات، إلا أنه في بعض الأحيان ينخفض مع الأصول الخطرة حين يضطر المستثمرون لبيع كل شيء لتغطية خسائرهم في أسواق أخرى. ومع ذلك، لا يزال المعدن النفيس في طريقه لتحقيق مكاسب للأسبوع الثامن على التوالي.
صفقة “تدهور قيمة العملات” تدعم الذهب
اكتسبت المعادن الثمينة زخمها كجزء أساسي مما يعرف بـ”صفقة تدهور قيمة العملات”. في هذه الاستراتيجية، يهرب المستثمرون من العملات الرئيسية كالدولار، التي تتآكل قيمتها بفعل التضخم والديون، إلى أصول يُنظر إليها على أنها مخزن حقيقي للقيمة مثل الذهب والفضة وحتى البيتكوين. هذا التحوط هو ما يفسر جزءًا كبيرًا من قوة الاستثمار في الذهب حاليًا.
الفضة.. قصة مزدوجة بين الاستثمار والصناعة
تتحرك الفضة غالبًا كظل للذهب، لكنها تمتلك قصتها الخاصة التي تزيد من جاذبيتها. فإلى جانب كونها أصلًا استثماريًا، تعتبر الفضة مكونًا صناعيًا لا غنى عنه في قطاعات المستقبل، مثل:
- الألواح الشمسية
- توربينات الرياح
هذه الاستخدامات تمثل أكثر من نصف الطلب العالمي على المعدن، ومن المتوقع أن يفوق الطلب حجم المعروض للعام الخامس على التوالي في 2025، مما يخلق ضغطًا هيكليًا يدعم الأسعار على المدى الطويل.
أزمة سيولة في لندن
وما يزيد الطين بلة، هو أن سوق الفضة في لندن، أحد أكبر أسواق العالم، يعاني من ضيق غير مسبوق في السيولة، مما أدى لارتفاع تكاليف اقتراض المعدن بشكل حاد. يعود سبب هذا الضيق جزئيًا إلى مخاوف من فرض رسوم جمركية أمريكية، مما أطلق سباقًا لشحن المعدن إلى أمريكا واستنزف المخزونات في لندن بشكل كبير.
وكما لخص كريس ويستون، رئيس الأبحاث في “بيبرستون غروب”، المشهد قائلاً: “الزخم القوي الذي أوصل الأسعار إلى قمم جديدة بدأ يتراجع، إذ حرص المتداولون على تقليص تعرضهم وتثبيت أدائهم”. يبدو أن السوق يأخذ قسطًا من الراحة، لكن القصة الأساسية التي تدعم المعادن النفيسة لم تتغير بعد.








