هدنة غزة تهوي بأسعار النفط ومخاوف الفائض تخيم على الأسواق العالمية

في هدوء حذر يلف أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وكأنها تتنفس الصعداء مع انحسار التوترات في الشرق الأوسط. لم تكن مجرد أرقام تتغير على الشاشات، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لبارقة أمل سياسية تلوح في الأفق بعد شهور من القلق.
هدوء الشرق الأوسط يهز أسواق الطاقة
تلقى المتعاملون والمستثمرون أنباء اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس بارتياح واضح، وهو ما ترجم سريعًا إلى ضغوط بيعية على أسعار الخام. انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.7% ليستقر تحت حاجز 62 دولارًا للبرميل، بينما أغلق خام برنت، المؤشر العالمي، عند سعر يقترب من 65 دولارًا، في خطوة رئيسية نحو تهدئة الصراع الذي ألقى بظلاله الثقيلة على منطقة الشرق الأوسط، التي تضخ وحدها ثلث إنتاج النفط العالمي.
هذا الاتفاق، الذي يتضمن إطلاق سراح الرهائن، يُنظر إليه على أنه يقلل من مخاطر اتساع رقعة الصراع ليشمل دولًا منتجة رئيسية في المنطقة. وبالتالي، تراجعت علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الأسعار طوال الفترة الماضية، تاركة العوامل الأساسية للعرض والطلب هي المحرك الرئيسي للسوق.
شبح الفائض يطل برأسه من جديد
لم يكن الهدوء الجيوسياسي هو العامل الوحيد، فالأسواق كانت بالفعل مهمومة بمخاوف أخرى. وفي هذا السياق، تلخص ريبيكا بابين، كبيرة متداولي الطاقة في مجموعة “سي آي بي سي برايفت ويلث”، المشهد قائلة: “المعنويات لا تزال ضعيفة، متأثرةً بمخاوف من حدوث فائض كبير في المعروض خلال الربع الرابع، والقلق من تباطؤ مشتريات الصين من الخام”. وتضيف أن التداولات ستظل على الأرجح في نطاق ضيق مع ميل طفيف نحو الانخفاض.
وتتزامن هذه المخاوف مع عوامل أخرى تضغط على الأسعار، حيث تحرك النفط بشكل متوازٍ مع تراجع الأسواق العالمية الأوسع نطاقًا وسط غياب محفزات قوية. كما أضاف ارتفاع الدولار الأمريكي عبئًا إضافيًا، حيث يجعل السلع المقومة به، وعلى رأسها النفط، أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى.
عقوبات واشنطن.. ورقة ضغط محدودة التأثير
في محاولة لدعم الأسعار، قدمت وزارة الخزانة الأمريكية جرعة دعم محدودة عبر فرض عقوبات على أكثر من 50 كيانًا وسفينة قالت إنهم يسهلون مبيعات النفط الإيراني. لكن تأثير هذه الخطوة ظل مؤقتًا، حيث يراقب التجار الآن ما إذا كان إنهاء القتال في غزة سيؤثر على وضع القيود المفروضة على إيران، الداعم الرئيسي لحماس.
يأتي ذلك في وقت تعمل فيه “أوبك+” على زيادة الإمدادات تدريجيًا، إلا أن تأثير ذلك على الأسعار ظل محدودًا بفعل قيام الصين بتخزين كميات هائلة من الخام الرخيص في وقت سابق، وهو ما يمنحها مرونة في الشراء حاليًا.
خبراء وول ستريت يرسمون ملامح المستقبل
تتجه الأنظار الآن نحو الأشهر المقبلة، حيث تتوقع مؤسسات كبرى، من بينها وكالة الطاقة الدولية وبنوك وول ستريت، أن تشهد السوق فائضًا كبيرًا. يذهب بنك “غولدمان ساكس” إلى أبعد من ذلك، متوقعًا أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 56 دولارًا فقط في العام المقبل، مع تفوق الإنتاج العالمي على مستوى الطلب بشكل واضح.
ورغم أن الإجماع يميل نحو توقع فائض وضغط على الأسعار، إلا أن هناك أصواتًا أكثر حذرًا. محللو “سيتي غروب”، ومنهم فرانشيسكو مارتوتشيا، يرون أن “الاختلاف يكمن في عمق هذا الهبوط المحتمل”. ويشيرون إلى عوامل قد تحد من سرعة تراجع الأسعار، وهي:
- تباطؤ نمو الإنتاج من خارج تحالف “أوبك+”.
- مرونة التحالف في إدارة الإمدادات وخفض الإنتاج إذا لزم الأمر.
- المخاطر الجيوسياسية التي لا تزال قائمة أمام منتجين كبار مثل روسيا وإيران.










