سباق تسلح في المحيط الهادئ: أستراليا تطلق أضخم خطة إنفاق دفاعي منذ عقود

لم يعد المحيط الهادئ هادئًا كما يوحي اسمه. ففي قلب هذه المياه المتلاطمة، تستيقظ أستراليا على واقع استراتيجي جديد، مُطلقةً أكبر عملية “إصلاح عسكري” في تاريخها الحديث لمواجهة تحديات لم تشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باستثمارات ضخمة تهدف لإعادة رسم خريطة القوة في المنطقة.
شبح التنين الصيني وضغوط الحليف الأمريكي
لطالما كانت الجغرافيا هي خط الدفاع الأول لأستراليا، حيث شكّل بُعدها عن الخصوم المحتملين ميزة استراتيجية كبرى. لكن هذا الحاجز الطبيعي بدأ يتآكل؛ فالتحركات البحرية الصينية وإجراؤها تدريبات بالذخيرة الحية على بعد أميال قليلة من سواحلها الشرقية، دقت ناقوس الخطر في كانبرا، مؤكدةً على الحاجة الماسة لتعزيز الإنفاق الدفاعي الأسترالي وجاهزية قواتها.
هذا الشعور بالخطر لخصه وزير الدفاع الأسترالي، ريتشارد مارليس، بقوله إن بلاده “تواجه المشهد الاستراتيجي الأكثر تعقيداً، بل والأكثر تهديداً، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”. يضاف إلى ذلك ضغوط الحليف الأمريكي، حيث يطالب الرئيس دونالد ترمب حلفاءه، ومن بينهم أستراليا، بزيادة إنفاقهم الدفاعي، وهو ملف من المتوقع أن يتصدر محادثات رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز مع ترمب قريباً.
ترسانة المستقبل: غواصات الأشباح وطائرات بدون طيار
في قلب هذه الخطة الطموحة التي تبلغ قيمتها 25 مليار دولار أسترالي (16.5 مليار دولار أمريكي)، تبرز أساطيل من الأسلحة فائقة التطور. فقد اختارت أستراليا شركة “ميتسوبيشي” اليابانية العملاقة لبناء 11 فرقاطة من طراز “موجامي”، في صفقة تاريخية تعكس تقارباً استراتيجياً لافتاً في وجه الطموحات الصينية المتزايدة في المحيط الهادئ.
ولم تتوقف طموحات كانبرا عند هذا الحد، حيث يجري العمل على قدم وساق في حوض “هندرسون” لبناء السفن، الذي سيشهد أيضاً صيانة الغواصات النووية وتصنيع فرقاطات بريطانية من فئة “هانتر”. وفي السماء، تحلق طائرات MQ-28A Ghost Bat بدون طيار، التي تطورها “بوينج”، لتكون أول طائرة عسكرية تُصمم في البلاد منذ أكثر من نصف قرن. أما تحت الماء، فسيجوب أسطول من غواصات “Ghost Sharks” ذاتية القيادة، التي وصفتها وزارة الدفاع بأنها “قدرة فتاكة ورائدة عالمياً”.
اتفاقية أوكوس: حجر الزاوية والعبء المالي
كل هذه التحركات تندرج تحت مظلة اتفاقية أوكوس الأمنية التاريخية مع الولايات المتحدة وبريطانيا، والتي ستحصل أستراليا بموجبها على غواصات تعمل بالطاقة النووية لأول مرة. هذه الاتفاقية، رغم أهميتها الاستراتيجية، تلقي بظلالها الثقيلة على الميزانية، حيث تقدر تكلفتها بما يصل إلى 368 مليار دولار أسترالي بحلول عام 2050، مما سيدفع الإنفاق الدفاعي ليتجاوز 2.25% من الناتج المحلي الإجمالي قريباً.
ورغم ضخامة الأرقام، يرى بعض الخبراء أن كانبرا لا تزال تسير بخطى حذرة. ستيف باكستر، مؤسس صندوق استثماري دفاعي، يرى أن أستراليا تفتقر إلى “الشعور بالإلحاح” الذي يميز التخطيط الأمريكي، معتبراً أن “الاستراتيجية صحيحة، لكنها لم تُموّل بالكامل بعد”. ويثير آخرون تساؤلات حول جدوى التركيز على القطع البحرية الكبيرة في زمن الحروب الحديثة، داعين إلى تعزيز الدفاعات في شمال البلاد.
رقصة حذرة مع بكين
في نهاية المطاف، يسلط هذا التعزيز العسكري الضوء على العلاقة المعقدة التي تربط أستراليا مع الصين، التي لا تزال أكبر شريك تجاري لها. وبينما ينجح رئيس الوزراء ألبانيز في ترميم العلاقات الاقتصادية مع بكين، تسير حكومته على حبل مشدود، محاولةً الموازنة بين مصالحها الاقتصادية الحيوية وضرورات أمنها القومي في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية عميقة.








