شبح الإغلاق الحكومي الأمريكي: صراع الميزانية يضع 750 ألف موظف في مهب الريح

مع توقف عقارب الساعة عند منتصف الليل في واشنطن، دخلت الولايات المتحدة رسميًا في دوامة الإغلاق الحكومي الأمريكي، وهي أزمة سياسية متكررة تلقي بظلالها هذه المرة على مصير نحو 750 ألف موظف فيدرالي. لم تكن المواجهة وليدة اللحظة، بل هي تتويج لأسابيع من الشد والجذب بين قطبي السياسة الأمريكية، حيث فشلت المفاوضات في التوصل إلى اتفاق حول الميزانية الفيدرالية، لتتجمد معها أجزاء حيوية من الدولة.
ما وراء كواليس الأزمة: صراع الإرادات في الكونغرس
يكمن جوهر الأزمة في عجز الكونغرس الأمريكي، بشقيه الجمهوري والديمقراطي، عن تمرير مشروع قانون لتمويل الخدمات الحكومية. فعلى الرغم من سيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ، إلا أنهم يفتقرون إلى الأغلبية اللازمة في مجلس الشيوخ (60 صوتًا) لتمرير مشروع الإنفاق بمفردهم، وهو ما منح الديمقراطيين ورقة ضغط قوية.
يتمسك الديمقراطيون بمطالب محددة، على رأسها تمديد برامج التأمين الصحي التي يستفيد منها ملايين الأمريكيين، والتراجع عن التخفيضات التي أقرها الرئيس دونالد ترامب على برنامج “ميديكيد” للرعاية الصحية. في المقابل، يرى الجمهوريون أن هذه المطالب تعرقل مسار ضبط الإنفاق، مما أدخل البلاد في نفق مسدود انتهى بإغلاق هو الأول من نوعه منذ سبع سنوات.
الحياة اليومية تحت وطأة الإغلاق: من يتأثر ومن يستمر؟
لا يعني الإغلاق توقفًا كاملًا للدولة، فالخدمات التي توصف بـ”الأساسية” ستستمر، لكن العاملين بها قد لا يتقاضون رواتبهم. قائمة الخدمات المتأثرة والمستمرة ترسم صورة معقدة لحياة الأمريكيين في الأيام القادمة:
- خدمات مستمرة: موظفو حماية الحدود، وإنفاذ القانون، ومراقبو الحركة الجوية، والرعاية الطبية في المستشفيات الحكومية. كما ستستمر خدمة البريد لأنها ذاتية التمويل.
- خدمات متوقفة أو متقلصة: سيتم إغلاق المتنزهات الوطنية والمتاحف الشهيرة مثل متاحف سميثسونيان. كما ستتأثر برامج المساعدات الغذائية، وقد تتوقف المشاريع البحثية في مراكز مثل “مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها” (CDC).
- تأخيرات محتملة: حذرت السلطات من تأخيرات في حركة الطيران وإصدار جوازات السفر. وقد يتأثر الطلاب أيضًا بسبب توقف محتمل في معالجة القروض والمنح الفيدرالية.
هذا الوضع يضع حوالي 40% من القوة العاملة الفيدرالية في إجازة إجبارية غير مدفوعة الأجر، مما يثير قلقًا واسعًا بشأن التأثير الاقتصادي على آلاف الأسر التي تعتمد على هذه الوظائف كمصدر دخل أساسي.
البيت الأبيض.. استثمار في الفوضى؟
على عكس الإدارات السابقة التي كانت ترى في الإغلاق كارثة سياسية، يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتعامل مع الأمر بهدوء، بل وربما تراه فرصة. فقد صرح ترامب قبل الإغلاق بيوم واحد قائلًا: “سنقوم بتسريح الكثير من الناس”، ملمحًا إلى إمكانية استخدام الأزمة لتمرير تخفيضات دائمة في حجم الحكومة الفيدرالية، وهو هدف لطالما سعى إليه منذ توليه منصبه.
تاريخ من التعطيل وتكلفة باهظة
الإغلاقات الحكومية ليست ظاهرة جديدة، بل أصبحت سمة شبه معتادة في السياسة الأمريكية. شهدت فترة ترامب وحدها ثلاثة إغلاقات، كان أطولها في تاريخ البلاد عام 2018 واستمر 35 يومًا بسبب الخلاف على تمويل جدار حدودي مع المكسيك. وقدر مكتب الميزانية في الكونجرس (CBO) آنذاك أن ذلك الإغلاق كلف الاقتصاد الأمريكي حوالي 11 مليار دولار.
ومع تمسك كل طرف بموقفه، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدة هذا الإغلاق وتكلفته النهائية، ليس فقط على الاقتصاد، بل على ثقة المواطن الأمريكي في مؤسساته السياسية التي يبدو أنها أصبحت أسيرة الاستقطاب الحزبي أكثر من أي وقت مضى.









