فن

بول توماس أندرسون: جراح السينما الذي يشرّح جسد أمريكا في ‘معركة تلو الأخرى’

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في قلب الإمبراطورية الأمريكية بكل تناقضاتها، يقف المخرج بول توماس أندرسون بمشرطه السينمائي، لا ليمجدها، بل ليفكك شفراتها الجينية المعقدة. فيلمه الجديد الصاخب، One Battle After Another، ليس مجرد إضافة جديدة لمسيرته الحافلة بالترشيحات للأوسكار، بل هو ذروة مشروعه الطويل في تشريح الشخصية الأمريكية بكل ما فيها من وهج زائف وأزمات عميقة.

مؤرخ سينمائي مهووس بالماضي

لا يمكن فهم سينما بول توماس أندرسون دون إدراك ولعه بالتاريخ، فهو لا يصنع أفلامًا عن الحاضر، بل يعود إلى الماضي ليفهم كيف تشكل هذا الحاضر. في تحفته There Will Be Blood، غاص في أعماق القرن التاسع عشر حيث حمى النفط التي رسمت ملامح القوة والسياسة الأمريكية، بينما في The Master و Phantom Thread، أعادنا إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث بريق الحلم الأمريكي الذي ولد من رحم الحرب العالمية الثانية.

لكن تبقى السبعينيات هي حقبته المفضلة، مسرحه الأثير الذي يفضح فيه زيف الحلم الأمريكي. لقد قدم لنا ما يمكن تسميته بثلاثية السبعينيات الفاضحة، والتي تكشف عن مجتمع غارق في العنصرية وشهوة المال وموت الضمير:

  • Boogie Nights: عن عالم صناعة الأفلام الإباحية.
  • Inherent Vice: عن مجتمعات الهيبيز والمؤامرات.
  • Licorice Pizza: عن براءة الشباب في زمن مضطرب.

يرى أندرسون أن هذه الحقبة، بما شهدته من ثورة شبابية وفضيحة ووترجيت وأزمة طاقة، هي المفتاح لفهم أمريكا اليوم. ومع فيلمه الأخير One Battle After Another، يقفز بنا إلى مطلع الألفية وصولًا إلى عصرنا الحالي، ليؤكد أن التاريخ لا يزال يعيد نفسه بصورة أكثر عنفًا ودموية.

في مواجهة أمريكا الـMAGA

يعتبر One Battle After Another أكثر أفلامه حركة واحتكاكًا بعوالم التطرف والعنصرية، وكأنه رد مباشر على شعار “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA). للمرة الثانية، يقتبس أندرسون نصًا للروائي الغامض توماس بينشون، معالجًا روايته Vineland التي تدور أحداثها في الثمانينيات، وينقلها ببراعة إلى حقبة ترامب، حيث جدار الحدود مع المكسيك حاضر بصريًا، وحيث الجماعات العنصرية تنشط بلا مواربة.

بينشون، بأسلوبه الذي يمزج الكوميديا السوداء بالنقد السياسي، هو التوأم الروحي لأندرسون. فكلاهما مهووس بالشخصيات الغريبة والحكايات المتشعبة التي تكشف عن روح العصر. في الفيلم، نتابع جماعة من المتمردين الملونين بقيادة “بريفيدا” (تيانا تايلور) وعشيقها “بات” (ليوناردو دي كابريو)، وهم يشنون حربًا على رموز الرأسمالية والعنصرية في أمريكا الحالية.

دراما الطرقات الجبلية: بين الرواية والفيلم

يبدأ الفيلم بإيقاع لاهث لا يهدأ، حيث تتداخل رائحة البارود مع التوتر الجنسي بين الأبطال، قبل أن يقفز بنا الزمن 16 عامًا إلى الأمام. يعيد أندرسون ترتيب أحداث الرواية، فيكشف خيانة الأم في الفصل الأول، ليجعل من ماضيها جذر الصراع الذي تعيشه ابنتها في الحاضر، في رحلة للبحث عن هويتها وسط مطاردة شرسة من الكولونيل الأبيض العنصري (شون بين في دور استثنائي).

تتجلى عبقرية أندرسون في مشهد المطاردة على الطرقات الجبلية الوعرة، فهو لا يقدم مجرد إثارة، بل يخلق استعارة بصرية لبنية الفيلم بأكملها: صعود وهبوط متتالٍ في الإيقاع والتوتر، وشعور دائم بالخطر المحدق. هذه المشاهد تجعل من الفيلم ما يمكن أن نطلق عليه “دراما الطرقات الجبلية”، حيث كل منعطف يحمل احتمالًا مأساويًا جديدًا.

الأثر الباقي: فيلم لكل زمان

في النهاية، One Battle After Another ليس مجرد فيلم مسلٍ، بل هو عمل فني متعدد الطبقات. هو قصة انتقام عائلية، ونقد سياسي لاذع للمجتمع الأمريكي الذي لم يتصالح مع تاريخه العنصري. يسخر أندرسون من دعاة نقاء العرق، ويجعل من سلالتهم فتيات سمراوات ثائرات يحملن السلاح ضد أحفاد جماعة كو كلوكس كلان.

قد يكون هذا الفيلم منافسًا شرسًا في سباق جائزة الأوسكار القادم، لكن الأكيد أنه حجز مكانه بالفعل كأحد أهم أفلام العام، وكتجربة سينمائية فريدة تضاف إلى مسيرة مخرج استثنائي، أثبت مرة أخرى أنه الأقدر على وضع أمريكا المعاصرة تحت مجهر السينما لكشف أمراضها العميقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *