وحش الأعماق الجديد.. البحرية البريطانية تدشن الغواصة النووية HMS Agamemnon لتعزيز أسطولها الهجومي

في خطوة تعكس طموحاتها البحرية المتجددة، كشفت البحرية البريطانية عن أحدث أسلحتها الفتاكة، الغواصة النووية HMS Agamemnon. هذا التدشين المهيب لا يمثل فقط إضافة جديدة لأسطول غواصات فئة Astute، بل هو رسالة واضحة عن مستقبل الردع النووي للمملكة المتحدة وقدرتها على فرض سيطرتها في أعماق المحيطات.
وسط أجواء احتفالية مهيبة في حوض بناء السفن التابع لعملاق الصناعات الدفاعية BAE Systems بمدينة بارو إن فورنيس، وبحضور الملك تشارلز الثالث وما يقرب من 500 شخصية بارزة، أُزيح الستار عن الغواصة السادسة التي تنضم لعائلة “أستيوت”، معلنةً بدء حقبة جديدة من التفوق البحري.
رحلة بناء طويلة وتحديات كبيرة
لم تكن رحلة بناء HMS Agamemnon سهلة على الإطلاق، بل كانت تتويجًا لجهود مضنية استمرت لأكثر من 12 عامًا. بدأت أولى خطوات المشروع في يوليو 2013، وشهدت العملية تعقيدات وتحديات عديدة، أبرزها تداعيات جائحة فيروس كورونا التي أثرت على سلاسل الإمداد والجداول الزمنية، بالإضافة إلى ضرورة تخصيص موارد وخبرات لبرنامج غواصات “دريدنوت” الاستراتيجي الذي يجري بالتوازي.
ورغم هذه العقبات، تمكن المهندسون والعمال في BAE Systems من إخراج هذا العملاق من قاعة “ديفونشاير دوك” في أكتوبر 2024، ليتم إطلاقه رسميًا في المياه بعد يوم واحد. يمثل هذا الإنجاز شهادة على الخبرة البريطانية العريقة في مجال بناء الغواصات النووية، وقدرتها على إدارة المشاريع الدفاعية المعقدة.
تاريخ عريق واسم له دلالة
تحمل الغواصة اسم “أجاممنون” استمرارًا لتقليد بحري ملكي عريق يعود إلى القرن الثامن عشر، تكريمًا لأسطورة يونانية وقائد عظيم. ولإضفاء لمسة تاريخية، تم تزيين الغواصة بلوحة شرف فريدة مصنوعة من خشب البلوط المأخوذ من سفينة حربية سابقة حملت نفس الاسم، لتربط بين ماضي البحرية البريطانية المجيد ومستقبلها الواعد.
مواصفات فنية.. وحش نووي بقدرات فتاكة
تُعد HMS Agamemnon تحفة هندسية متطورة، حيث تجمع بين القوة الهائلة والقدرة على التخفي. يبلغ طولها 97 مترًا وتصل إزاحتها إلى 7400 طن، وتعمل بمفاعل نووي من طراز PWR2 من إنتاج شركة “رولز رويس”، وهو ما يمنحها مدى عمليات غير محدود تقريبًا، حيث لا تحتاج للتزود بالوقود طوال فترة خدمتها التي تمتد لعقود.
تعتمد قدرتها على البقاء في البحر فقط على مخزون المؤن وحاجة الطاقم للراحة، والتي تصل عادة إلى 90 يومًا متواصلاً تحت الماء. وتتمتع الغواصة بترسانة تسليح مرعبة تجعلها ذراعًا طويلة للبحرية البريطانية، وتشمل:
- أنابيب طوربيد: ستة أنابيب من عيار 533 ملم.
- قدرة تخزين: تستطيع حمل ما يصل إلى 38 سلاحًا متنوعًا.
- طوربيدات Spearfish: طوربيدات ثقيلة الوزن مصممة لتدمير أعتى السفن والغواصات المعادية.
- صواريخ توماهوك (Tomahawk): صواريخ كروز مجنحة للهجوم الأرضي بمدى يصل إلى 1600 كيلومتر، مما يمنحها القدرة على ضرب أهداف برية بعيدة بدقة متناهية.
وأعلنت البحرية الملكية أنها ستزود الغواصة بالنسخة الأحدث من صواريخ توماهوك (Block 5)، والتي تتميز بقدرات اتصال وتوجيه محسّنة أثناء الطيران، مما يعزز من فاعليتها في ساحة المعركة الحديثة. يعمل على متنها طاقم مكون من 98 فردًا، مع وجود مساحة كافية لاستيعاب عناصر إضافية من القوات الخاصة.
مهام استراتيجية لسد الفجوة في الأسطول
تنضم HMS Agamemnon إلى الأسطول في وقت حرج، حيث عانت البحرية البريطانية من نقص في عدد الغواصات الهجومية الجاهزة للعمل بسبب جداول الصيانة والإصلاحات الطويلة لبعض الوحدات الأخرى. ومن المتوقع أن تلعب الغواصة الجديدة دورًا محوريًا في سد هذه الفجوة وتعزيز مرونة الأسطول.
وتتنوع مهامها لتشمل حماية قوة الردع النووي البريطانية المتمثلة في غواصات “فانجارد”، وتوفير غطاء أمني لمجموعة حاملات الطائرات الملكية، وتأمين البنية التحتية الحيوية تحت الماء مثل كابلات الإنترنت والاتصالات، وجمع المعلومات الاستخباراتية، بالإضافة إلى قدرتها على نشر فرق العمليات الخاصة خلف خطوط العدو.
جسر يربط بين الحاضر والمستقبل
لا يقتصر تدشين الغواصة الجديدة على كونه حدثًا منفردًا، بل هو جزء من استراتيجية بريطانية أوسع. ففي نفس يوم الاحتفال، تم قطع أول لوح فولاذي للغواصة HMS King George VI، الرابعة ضمن فئة “دريدنوت” التي ستحمل الجيل القادم من الصواريخ النووية. هذا التزامن يبرز استمرارية العمل في بارو كمركز حيوي للصناعات الدفاعية النووية في بريطانيا.
ومع اقتراب برنامج فئة Astute من نهايته، تستعد بريطانيا بالفعل للجيل القادم من خلال برنامج (SSN-AUKUS) بالتعاون مع الولايات المتحدة وأستراليا. وتعتبر الخبرات والتقنيات المكتسبة من بناء “أستيوت” هي الأساس الذي سيبنى عليه مستقبل الغواصات الهجومية البريطانية، مما يضمن احتفاظ المملكة المتحدة بمكانتها كقوة بحرية عالمية رائدة لعقود قادمة.









