صحة

هل نعالج أمراضًا وهمية؟ دراسة تكشف مفاجأة عن “جينات مشتركة” تربط الفصام بالاكتئاب

تحليل جيني لمليون شخص يثبت أن الفصام والاكتئاب والوسواس القهري تنبع من جذور بيولوجية متداخلة

صحفية في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، تتابع الأخبار الطبية وتنقلها للجمهور بلغة واضحة

كشفت دراسة حديثة نشرتها دورية Nature أن التقسيمات التقليدية للأمراض النفسية قد تكون مجرد أسماء مختلفة لنفس الخلل البيولوجي، حيث توصل الباحثون إلى أن 14 اضطرابًا نفسيًا مختلفًا تشترك في 5 بصمات جينية رئيسية فقط. وأوضح أندرو غروتزينغر، الأستاذ المساعد في جامعة كولورادو بولدر، أن المصابين بهذه الاضطرابات يتشابهون جينيًا أكثر مما يختلفون، مما يفتح الباب أمام تغيير جذري في طريقة التشخيص والعلاج.

جينات واحدة وأسماء مختلفة

أظهرت النتائج أن مرض الفصام واضطراب ثنائي القطب يتشاركان في الهندسة الجينية لدرجة مذهلة، حيث أن 70% من الإشارات الجينية المرتبطة بالفصام موجودة أيضًا لدى مرضى ثنائي القطب، وفقًا لما ورد في الدراسة التي شملت تحليل الحمض النووي لأكثر من مليون شخص. هذا التداخل الكبير يعيد إحياء الجدل العلمي حول “تقسيم كريبلين” التاريخي، وهو النظام الذي وضعه العالم إميل كريبلين في بداية القرن العشرين للفصل بين الفصام والاضطرابات المزاجية، حيث تثبت الوراثة الحديثة الآن أن هذا الفصل قد لا يكون دقيقًا من الناحية البيولوجية.

تتجمع الأمراض النفسية في مجموعات جينية واضحة بدلاً من كونها حالات منعزلة، إذ تشترك اضطرابات السلوك القهري مثل الوسواس القهري ومتلازمة توريت وفقدان الشهية العصبي في كتلة جينية واحدة بحسب بيانات الدراسة. وفي سياق متصل، تتقاسم حالات الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة مجموعة جينية ثانية، بينما تشكل اضطرابات تعاطي المخدرات مجموعة ثالثة مستقلة.

نهاية عصر “الأقراص الأربعة”

يشير الباحثون إلى وجود ما يُعرف بـ “عامل P” أو عامل الاعتلال النفسي العام، وهو مفهوم علمي يشير إلى وجود استعداد وراثي مشترك يجعل الشخص عرضة للإصابة بأي اضطراب نفسي بشكل عام، قبل أن تحدد عوامل أخرى نوع المرض الظاهر. وذكرت هيجونغ وون، عالمة الوراثة بجامعة نورث كارولينا، في بحث موازٍ نُشر في مجلة Cell، أن فهم هذه الجينات “متعددة المهام” قد يسمح بتطوير علاجات تستهدف الجذور المشتركة بدلاً من إعطاء المريض عدة أدوية مختلفة لكل عرض على حدة.

تلعب البيئة دور المحفز لهذه الجينات المشتركة عبر ما يُعرف بـ “علم فوق الجينات”، حيث يمكن لظروف الحياة والتوتر أن تؤدي إلى تشغيل أو إيقاف عمل هذه الشفرات الوراثية، مما يفسر لماذا قد يصاب شخصان بنفس الجينات باضطرابات مختلفة. وأكدت منظمة الصحة العالمية في تقديرات سابقة أن نحو مليار شخص حول العالم يعانون من اضطرابات نفسية، وهو ما يجعل الوصول إلى علاج موحد يستهدف الخلايا العصبية مباشرة ضرورة ملحة.

رصد العلماء 683 متغيرًا جينيًا تؤثر على تنظيم عمل الخلايا العصبية أثناء نمو الدماغ، وتبين أن هذه المتغيرات تنشط في مراحل مبكرة جدًا وتؤثر على شبكات بروتينية معقدة. هذه الاكتشافات تعني أن الطبيب في المستقبل قد لا يشخص المريض بناءً على الأعراض التي تظهر في غرفة الكشف فقط، بل بناءً على الخلل البيولوجي الكامن في حمضه النووي، وهو ما قد ينهي حالة الإحباط لدى المرضى الذين يتم تشخيصهم بعدة اضطرابات في وقت واحد.

مقالات ذات صلة