نجيب الريحاني: أسطورة الكوميديا السوداء التي أضحكت مصر والعالم

كتب: أحمد عبد الرحمن
في سماء الفن المصري، تتلألأ نجومٌ لا تُنسى، ومن بينها يبرز اسم نجيب الريحاني، ذلك العملاق الذي أضحك الملايين بكوميدياه السوداء اللاذعة، ورسخ اسمه كأشهر ممثل ساخر في تاريخ المسرح العربي. لم يكن الريحاني مجرد فنان، بل كان مؤمناً برسالة فنية سامية، عشق المسرح حتى النخاع، ووهبه حياته.
الريحاني.. عاشق المسرح
عشق الريحاني المسرح حد التقديس، فكان جزءًا لا يتجزأ من حياته. حتى عندما نصحه طبيبه بالابتعاد عنه لمدة ستة أشهر حفاظاً على صحته، رفض الريحاني رفضا قاطعا وقال: “خير لي أن أقضي نحيبي فوق المسرح، من أن أموت على فراشي.”
فنانٌ معطاء
حرص الريحاني دائمًا على ظهور جميع أفراد فرقته في أفضل صورة، رافضاً أن يكون النجم الأوحد. ورغم اتهام البعض له بالكسل لتقديمه مسرحية واحدة لفترات طويلة، إلا أنه كان يرد قائلاً: “خير لي أن أواجه الجمهور بمسرحية واحدة كاملة، من أن أقدم له عشر مسرحيات ضعيفة، أو فيها مواضع ضعف.” لم يكن الربح المادي همه الأول، بل كان يسعى جاهداً لإخراج عمل مسرحي متكامل، حتى لو كلفه ذلك تراكم الديون.
تقديرٌ عالمي
نال فن الريحاني تقديراً واسعاً، محلياً وإقليمياً وعالمياً. امتدح فنه السير سايمور هيكس، عميد المسرح الإنجليزي، واعتبره من نجوم الصف الأول عالميًا. كما حظي باحترام عظماء مصر، مثل طلعت حرب، وسعد زغلول، وهدى شعراوي.
الوطنية سلاحه
تميز الريحاني بحسّه الوطني الثائر، فكانت مسرحياته سلاحًا لمحاربة الاستعمار والظلم والقهر، كما كان يؤمن بالحظ والتفاؤل والأحلام.
من باب الشعرية إلى العالمية
ولد نجيب إلياس ريحان، ذو الأصول العراقية، عام 1889 في حارة مصطفى بحي باب الشعرية بالقاهرة، لوالد تاجر خيول. تلقى تعليمه في مدرسة الفرير بالخرنفش، حيث تعلم الفرنسية، ومال إلى دراسة آداب اللغة العربية، خصوصاً الشعر. شجعه أستاذه الشيخ بحر على التمثيل بعدما لاحظ موهبته في الإلقاء. عمل الريحاني بعد الدراسة موظفاً في البنك الزراعي، حيث التقى بصديقه عزيز عيد، وبدأ مشوارهما الفني.
مسيرة حافلة بالتحديات
انطلق الريحاني في رحلة فنية حافلة بالتحديات والنجاحات، بدءاً من فرقة عزيز عيد، مروراً بفرقة سليم عطا الله، وفرقة الشيخ أحمد الشامي، وصولاً إلى فرقة جورج أبيض. أسس لاحقاً فرقته الخاصة “فرقة الكوميدي العربي”، وقدم مسرحيات ناجحة مثل “خلي بالك من إميلي”. ظهرت شخصية “كشكش بيه” الشهيرة في مسرح أبيه دي روز، ثم انتقل إلى تياترو الرينسانس، وأسس مسرح الإجبسيانة. تعاون مع بديع خيري الذي أصبح رفيق دربه الفني، والشيخ سيد درويش.
من المسرح إلى السينما
كانت انطلاقة الريحاني السينمائية متعثرة بفيلم “ياقوت”، ثم “بسلامته عاوز يتجوز”. لكن فيلم “سلامة في خير” حقق نجاحاً كبيراً، وفتح له أبواب النجاح السينمائي.
رحيل الجسد.. خلود الاسم
في 8 يونيو 1949، رحل نجيب الريحاني عن عالمنا، تاركاً خلفه إرثاً فنياً خالداً. رحل الجسد، وبقي الاسم محفوراً في ذاكرة الفن المصري والعربي.











