مهرجان ‘سيبي’ للطفل.. سينما بقنا تستلهم ‘باستت’ لترسيخ الهوية المصرية
في خطوة لدمج الفن بالهوية، مهرجان سينما الطفل والأسرة ينطلق من صعيد مصر برؤية تستلهم الحضارة القديمة وتتجه نحو المستقبل.

في خطوة لافتة تعكس توجهًا ثقافيًا لربط الإبداع المعاصر بالجذور التاريخية، كشفت إدارة مهرجان سيبي الدولي لسينما الطفل والأسرة عن ملامح دورته الجديدة المقرر إقامتها في محافظة قنا، في خطوة لا تقتصر على كونها حدثًا فنيًا، بل تحمل دلالات أعمق حول استراتيجية الدولة في تعزيز الهوية المصرية ونشر الثقافة خارج العاصمة.
هوية بصرية من رحم التاريخ
اختار المهرجان، الذي يرأسه الناقد السينمائي الدكتور مصطفى فهمي، الإلهة المصرية القديمة «باستت» لتكون أيقونة هويته البصرية. هذا الاختيار ليس عشوائيًا، فـ«باستت»، التي ترمز للموسيقى والخصوبة وحماية الأطفال، تمثل استدعاءً رمزيًا للقيم التي يسعى المهرجان لغرسها. ويوضح مهندس الديكور طارق المغازي، مصمم الهوية، أن التصميم يزاوج بين الرموز المصرية القديمة ورؤية حداثية، حيث يظهر القط المستوحى من «باستت» محاطًا بشريط سينمائي، في إشارة إلى أن الفن هو الامتداد الطبيعي للحضارة.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يتجاوز مجرد التصميم الجمالي، ليعبر عن تيار ثقافي أوسع يهدف إلى إعادة تقديم الحضارة المصرية القديمة كعنصر حي في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، لا سيما في ظل تحديات العولمة الثقافية.
قنا.. مركز جديد للإشعاع الثقافي
يمثل اختيار محافظة قنا، بصعيد مصر، لاحتضان فعاليات المهرجان في الفترة من 30 يناير إلى 3 فبراير 2026، نقلة نوعية في سياسات المهرجانات المصرية. فبدلاً من التركيز التقليدي على القاهرة والإسكندرية، يأتي هذا القرار كرسالة واضحة لـتحقيق اللامركزية الثقافية وإعادة الاعتبار لأقاليم طالما كانت بعيدة عن دائرة الضوء. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تستهدف الطفل والأسرة في قلب مجتمعات الصعيد، مما يمنح المهرجان بعدًا اجتماعيًا وتنمويًا إلى جانب دوره الفني.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور سليم عبد الرحمن، أستاذ علم الاجتماع الثقافي، لـ«نيل نيوز»: “إن إقامة مهرجان دولي بهذا الحجم في قنا هو استثمار في القوة الناعمة المصرية، فهو لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يخلق حراكًا ثقافيًا في منطقة متعطشة للفنون، ويساهم في بناء جسور بين أطفال الصعيد والعالم عبر لغة السينما العالمية”.
رؤية مستقبلية بقيم أصيلة
يؤكد الدكتور مصطفى فهمي أن الهدف الأساسي للمهرجان هو بناء كيان مؤسسي متكامل يصبح منصة دولية للعروض والورش السينمائية الموجهة للطفل والأسرة. وتكمن أهمية هذه الرؤية في محاولتها تقديم بديل فني وتربوي للإنتاج التجاري السائد، من خلال التركيز على أفلام تعزز القيم الإنسانية والجمالية وتنمي الوعي الفني والنقدي لدى النشء.
في المحصلة، لا يبدو مهرجان سيبي مجرد إضافة عددية إلى قائمة المهرجانات المصرية، بل مشروعًا ثقافيًا متكامل الأبعاد. فهو يستخدم السينما كأداة لاستعادة الهوية، وينطلق من الصعيد ليعيد رسم الخريطة الثقافية لمصر، ويراهن على الأجيال الجديدة لبناء مستقبل يتكئ على ماضٍ عريق، في معادلة دقيقة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.









