من باريس.. مصر ترسم ملامح سياستها الخارجية وتؤكد على ثوابتها الإقليمية

في قلب العاصمة الفرنسية باريس، ومن داخل أحد أبرز مراكز الفكر الأوروبية، قدمت الدبلوماسية المصرية رؤيتها الشاملة لمنطقة تموج بالتحديات. حيث استعرض الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، خريطة طريق واضحة لمواقف مصر الثابتة تجاه قضايا مصيرية، مؤكداً على الدور المحوري الذي تلعبه القاهرة كركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط.
رؤية استراتيجية في قلب أوروبا
خلال جلسة حوارية رفيعة المستوى نظمها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية IFRI، بحضور السفير علاء يوسف، سفير مصر لدى فرنسا، لم تكن الكلمات مجرد تصريحات دبلوماسية، بل كانت تحليلاً عميقاً للمتغيرات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة والعالم. وضع الوزير عبد العاطي النقاط على الحروف، شارحاً محددات السياسة الخارجية المصرية التي تنطلق من ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام سيادة الدول، والسعي الدؤوب نحو الحلول السياسية.
القضية الفلسطينية.. بوصلة التحرك المصري
أكد الوزير عبد العاطي أن القضية الفلسطينية تظل هي القضية المركزية والأهم في وجدان السياسة المصرية، مشدداً على أن لا سلام عادل أو شامل في المنطقة دون أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة. وجدد التأكيد على الثوابت المصرية التي لا تقبل المساومة:
- إقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
- الرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم في غزة أو ضم أجزاء من الضفة الغربية.
- ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة وضمان النفاذ الآمن وغير المشروط للمساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، استعرض الوزير الجهود المصرية المضنية التي لم تتوقف يوماً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء الكارثة الإنسانية التي وصلت إلى حد المجاعة. وأشار إلى مخرجات القمة العربية الأخيرة بالقاهرة، والتي طرحت رؤية عملية لمرحلة ما بعد الحرب، عبر تشكيل لجنة إدارية فلسطينية غير فصائلية لإدارة القطاع مؤقتاً، وهو ما تدعمه مصر ببرامج تدريب للقوات الأمنية الفلسطينية لتمكينها من بسط سيطرتها.
ملفات إقليمية على طاولة الحوار
لم يقتصر حديث الوزير على فلسطين، بل امتد ليشمل رؤية مصر تجاه أزمات الجوار التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن الإقليمي. ففي السودان وليبيا، الجاران المباشران لمصر، أكدت القاهرة على دعمها الكامل لوحدة أراضيهما ومؤسساتهما، ورفض أي تدخلات خارجية، مع الدفع نحو حلول سياسية ليبية-ليبية وسودانية-سودانية تفضي إلى الاستقرار وعودة الحياة إلى طبيعتها.
كما تطرق الوزير إلى الأوضاع في سوريا ولبنان، مجدداً رفض مصر للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لسيادة البلدين، وضرورة احترام قرارات الشرعية الدولية. وفيما يخص الملف النووي الإيراني، كشف الوزير عن الدور الدبلوماسي المصري الهادئ والفعال الذي ساهم في التوصل لاتفاق فني بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، داعياً إلى إعطاء الفرصة للدبلوماسية لخفض التصعيد وبناء الثقة.
الأمن المائي المصري.. خط أحمر
بلهجة حاسمة، شدد الدكتور بدر عبد العاطي على أن ملف الأمن المائي لمصر هو قضية وجود، مؤكداً أن القاهرة ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها التاريخية في مياه النيل، وفقاً لمبادئ القانون الدولي. وجدد رفض مصر القاطع لأي إجراءات أحادية من شأنها المساس بحصتها المائية، داعياً إلى التعاون البنّاء الذي يحقق مصالح جميع دول حوض النيل.
واختتمت الجلسة بنقاش تفاعلي ثري، عكس الاهتمام الأوروبي الكبير بالرؤية المصرية، وأهمية الدور الذي تلعبه القاهرة كصوت للحكمة والاعتدال في منطقة تبحث عن الاستقرار والتنمية.









