مفاوضات لبنان وصندوق النقد الدولي: إصلاحات عالقة ومليارات مؤجلة

في ظل أزمة اقتصادية خانقة، تتجه أنظار لبنان مجددًا نحو واشنطن، حيث تتعثر مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار. ورغم التصريحات المتفائلة، لا تزال الإصلاحات الهيكلية، خاصة في القطاع المصرفي، تمثل العقبة الأكبر أمام تفعيل الاتفاق المجمّد منذ أبريل 2022.
خلال اجتماعات الخريف لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، أكد وزير المالية اللبناني، ياسين جابر، أن التوصل إلى برنامج نهائي مع الصندوق سيستغرق وقتاً، مشدداً على أن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة ليست مجرد شروط مفروضة، بل هي ضرورة ملحة للبنان نفسه. يعكس هذا التصريح محاولة لطمأنة الداخل اللبناني بأن الحكومة تستفيد من الخبرة الدولية لإصلاح ما أفسدته سنوات من السياسات الخاطئة.
من جانبه، وصف وزير الاقتصاد والتجارة، عامر البساط، النقاشات مع الصندوق بـ”الإيجابية”، نافياً وجود تأخير. وأرجع بطء التقدم إلى الطبيعة المعقدة للملفات المطروحة، والتي تشمل كل شيء من إعادة هيكلة المصارف والقطاع المالي، إلى أزمات الكهرباء والاتصالات، وصولاً إلى ملفات الحوكمة الشائكة. ورغم ذلك، يظل الواقع أن كل جولة محادثات لا تنتج سوى تقدم طفيف، بينما يزداد الوضع الاقتصادي سوءاً.
القطاع المصرفي.. قلب الأزمة
تكمن العقدة الرئيسية في قانون إصلاح القطاع المصرفي، حيث أشار جابر إلى وجود توافق بنسبة 60% فقط مع متطلبات الصندوق. ورغم إنجاز بعض القوانين مثل رفع السرية المصرفية، لا يزال الخلاف قائماً حول كيفية معالجة الفجوة المالية الهائلة التي تقدر بنحو 70 مليار دولار، وحول مصير أموال المودعين، التي تعد القضية الأكثر حساسية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
يمثل الحفاظ على أموال المودعين تحدياً هائلاً، في ظل رفض البنوك المحلية، التي تتمتع بنفوذ سياسي كبير، تحمل الجزء الأكبر من الخسائر. وأوضح وزير المالية اللبناني أن حسم هذا الملف يتطلب تدقيقاً شاملاً لجميع المصارف، وهي عملية قد تستغرق ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر لوضع إطار قانوني، بينما سيحتاج تطبيقه الفعلي وقتاً أطول بكثير، مما يعني أن الحلول لا تزال بعيدة المنال.
تحديات متراكمة ومساعدات مشروطة
في موازاة ذلك، يقدم البنك الدولي دعماً حيوياً للبنان، حيث أقر قروضاً تزيد قيمتها على مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الماضية. لكن هذه المساعدات تظل مشروطة، حيث أكد جابر على ضرورة الإسراع في إقرار القوانين اللازمة للحصول على هذه القروض، مما يعيدنا إلى نقطة البداية: لا إصلاحات، لا أموال.
يزداد المشهد تعقيداً مع تراكم الأزمات، فلبنان متخلف عن سداد ديونه الدولية منذ عام 2020، كما أضافت الهجمات الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 عبئاً جديداً، متسببة في خسائر تقدر بنحو 14 مليار دولار، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. وفي خضم هذه التحديات، كشف وزير المالية أن موازنة لبنان الجديدة لن تتضمن ضرائب إضافية، بل ستركز على تحسين الجباية ومحاربة التهرب الضريبي، وهي خطوة تهدف لزيادة الإيرادات دون إثارة غضب شعبي إضافي في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم.






