اقتصاد

تونس تلجأ للبنك المركزي لتمويل الميزانية وتتجنب شروط صندوق النقد

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

في خطوة تكشف عن ملامح المسار الاقتصادي الجديد، تتجه تونس للاعتماد على الاقتراض المباشر من بنكها المركزي لتمويل جانب كبير من ميزانية العام المقبل. يأتي هذا التوجه بالتزامن مع فرض ضريبة جديدة على الثروة، كبدائل لبرنامج إنقاذ مالي من صندوق النقد الدولي رفضته السلطات التونسية.

بحسب مسودة الميزانية، تخطط الحكومة لاقتراض ما يعادل 4 مليارات دولار من البنك المركزي التونسي، في وقت يتوقع أن يرتفع عجز الميزانية إلى 11 مليار دينار (3.8 مليار دولار). ولتغطية هذا العجز، تسعى السلطات لجمع 19.1 مليار دينار من السوق المحلية، يأتي الجزء الأكبر منها من البنك المركزي، إلى جانب 6.8 مليارات دينار من القروض الخارجية.

ويعكس هذا الاعتماد المكثف على التمويل الداخلي بشكل مباشر قرار الرئيس قيس سعيد رفض حزمة الإنقاذ المحتملة من صندوق النقد الدولي. لطالما أكد سعيد أن بلاده لن تخضع لما وصفه بـ “الإملاءات الخارجية”، في إشارة إلى إجراءات التقشف التي يفرضها الصندوق عادةً، وعلى رأسها خفض الدعم الحكومي للسلع الأساسية.

إنفاق حكومي لمعالجة التوترات الاجتماعية

تُظهر مسودة الميزانية ارتفاعًا في الإنفاق الحكومي بنسبة 6% ليصل إلى 63.6 مليار دينار. ويُوجّه جزء كبير من هذه الزيادة نحو برامج ذات طابع اجتماعي، أبرزها خطة لتوفير أكثر من 23 ألف وظيفة في القطاع العام، في محاولة لمعالجة الأسباب الجذرية للاضطرابات الاجتماعية المحتملة، لا سيما مع وصول معدل بطالة الشباب إلى نحو 40%.

وتؤكد الوثيقة استمرار برنامج دعم السلع الأساسية والوقود والنقل العام، الذي يمثل شبكة أمان للفئات الأكثر فقرًا. كما تقترح الميزانية حوافز للشركات الخاصة التي توظف الخريجين العاطلين، في محاولة لتنشيط سوق العمل خارج القطاع الحكومي.

ضريبة الثروة ومخاطر المسار البديل

سعياً لزيادة الإيرادات، التي يُتوقع أن تنمو بنسبة 5% لتبلغ 52.6 مليار دينار، تعتزم الحكومة فرض ضريبة على الثروة. وتتراوح هذه الضريبة بين 0.5% و1% من قيمة العقارات والأصول المالية التي يمتلكها الأفراد، وهي خطوة تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية للدولة.

ورغم ذلك، يظل الاقتراض من البنك المركزي ممارسة مثيرة للجدل بين الخبراء الاقتصاديين. فالمبلغ المقرر للعام المقبل، مضافًا إلى 7 مليارات دينار تم اقتراضها في 2025، يعادل نحو 45% من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك. ويحمل هذا المسار مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى تآكل الاحتياطيات وتغذية التضخم، خاصة وأن تونس تواجه التزامات لسداد ديون تونس الخارجية تبلغ نحو 7.9 مليارات دينار العام المقبل.

بذلك، يبدو أن الحكومة التونسية ترسم مسارًا اقتصاديًا يعطي الأولوية للاستقرار الاجتماعي وتجنب الصدمات التقشفية، معتمدة على مواردها الداخلية. وبينما ساعدت عوامل مثل صادرات زيت الزيتون القياسية والدعم المالي من دول خليجية على الصمود مؤقتًا، يبقى نجاح استراتيجية تمويل ميزانية تونس عبر البنك المركزي رهانًا محفوفًا بالتحديات على المدى الطويل بالنسبة لمستقبل الاقتصاد التونسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *