اقتصاد

قبضة غربية مزدوجة تخنق شرايين الطاقة الروسية

تصعيد غير مسبوق.. واشنطن وبروكسل تفرضان عقوبات جديدة على قطاع النفط والغاز الروسي وتأثيرها على الأسواق العالمية

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في تصعيد منسق، شددت القوى الغربية قبضتها على قطاع الطاقة الروسي خلال 24 ساعة، عبر حزمة عقوبات أمريكية وأوروبية متزامنة استهدفت عمالقة النفط والغاز في موسكو. هذه الخطوة، التي تعد تحولًا في سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دفعت أسعار النفط العالمية للقفز بأكثر من 5%، وتطرح تساؤلات حول مدى تأثيرها على مسار حرب أوكرانيا.

تفاصيل الحصار الاقتصادي

وجهت العقوبات الأمريكية الجديدة ضربة مباشرة لشركتي “روسنفت” و“لوك أويل”، حيث حظرت على أي كيان أمريكي التعامل مع أصولهما أو الشركات التابعة لهما. ولم تكتفِ واشنطن بذلك، بل لوّحت بفرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية، خاصة في الصين والهند وتركيا، التي تستمر في تسهيل تجارة النفط الروسي، في محاولة لتجفيف منابع التمويل بشكل كامل.

هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل سبقتها بأسبوع إجراءات بريطانية مماثلة استهدفت الشركتين ذاتهما، مما يعكس تنسيقًا ثلاثيًا محكمًا بين لندن وواشنطن وبروكسل. التحرك الأمريكي جاء بعد تصريح لترامب بأنه لن يعاقب روسيا ما لم تتحرك أوروبا أولاً، وهو ما يفسر تزامن الإجراءات كرسالة ضغط سياسي واقتصادي موحدة على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

على الجانب الآخر من الأطلسي، أقر الاتحاد الأوروبي حزمته التاسعة عشرة من العقوبات على روسيا، والتي تضمنت بنودًا مؤثرة. أبرز هذه البنود هو حظر استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بشكل كامل بدءًا من عام 2027، بالإضافة إلى إدراج 117 سفينة من “أسطول الظل” الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على القيود، ضمن القوائم السوداء.

ضغوط على حلفاء موسكو

تستهدف الإجراءات الجديدة بشكل غير مباشر أكبر مستوردي النفط الروسي، وهما الهند والصين، حيث تتولى “روسنفت” و”لوك أويل” تزويد البلدين بنحو نصف صادرات النفط الخام الروسية. في نيودلهي، يتوقع المسؤولون التنفيذيون في مصافي التكرير أن تتراجع وارداتهم من النفط الروسي إلى مستويات شبه صفرية، خاصة مع ربط واشنطن إتمام صفقة تجارية مرتقبة بالتخلي عن الخام الروسي.

أما الصين، ورغم استمرارها في استقبال شحنات الغاز من مشروع “آركتيك 2″، تواجه بنوكها خطر العقوبات الأمريكية إذا استمرت في تمويل صفقات النفط الروسي. هذا الضغط يضع بكين في موقف حرج، ومن المتوقع أن يطرح ترامب الملف على نظيره الصيني شي جين بينغ خلال لقائهما المرتقب في كوريا الجنوبية.

تداعيات السوق والبعد العسكري

كانت ردة فعل أسواق الطاقة فورية، حيث قفز سعر مزيج برنت فوق 65 دولارًا للبرميل، وصعد خام غرب تكساس متجاوزًا 61 دولارًا. هذا الارتفاع يثير مخاوف من موجة تضخم جديدة، لكن خبراء يرون أن التأثير قد يكون مؤقتًا إذا نجحت روسيا مجددًا في الالتفاف على العقوبات عبر أسطول الظل، وهو تكتيك أثبت فاعليته في الماضي.

بالتوازي مع الحصار الاقتصادي، كثفت أوكرانيا من هجماتها بالطائرات المسيرة على منشآت الطاقة داخل روسيا. استهداف منشأة غاز في أورينبورغ مؤخرًا لم يؤثر على روسيا فقط، بل أدى إلى خفض إنتاج كازاخستان من حقل كاراشاغاناك بنسبة 30% لاعتماده على البنية التحتية الروسية. هذه الضربات تضيف بُعدًا عسكريًا يهدف إلى استنزاف قدرة موسكو على التكرير والتصدير.

هل تكون النهاية؟

رغم أن هذه الحزمة من العقوبات على روسيا هي الأشد منذ بدء الحرب، يبقى تأثيرها النهائي محل شك. فقد تم فرض أكثر من 21 ألف عقوبة سابقة لم تنجح في إنهاء الصراع. ويشير خبراء إلى أن الكرملين أظهر براعة فائقة في التكيف مع القيود. ونقلت صحيفة الغارديان عن ترامب قوله قبل إلغاء قمته مع بوتين: “صبري نفد من المماطلة الروسية”، في إشارة إلى أن المحادثات لم تعد تجدي نفعًا.

يواجه ترامب نفسه معضلة داخلية، إذ إن تشديد العقوبات يتعارض مع وعده الانتخابي بخفض أسعار البنزين للمستهلك الأمريكي. وفي النهاية، يتوقف نجاح هذه الاستراتيجية على مدى التزام الغرب بتطبيقها بصرامة، وقدرته على إقناع الهند والصين بالانضمام إلى هذا الحصار الاقتصادي الخانق على قطاع الطاقة الروسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *