حوادث

فيلم الملحد أمام القضاء: معركة حرية الإبداع ضد الوصاية الفكرية

محرر في قسم الحوادث،بمنصة النيل نيوز

أسدلت محكمة القضاء الإداري الستار مؤقتًا على فصول الجدل الدائر حول فيلم الملحد، بعد أن قررت حجز الدعاوى المقامة بشأنه للحكم بجلسة 23 نوفمبر المقبل. يأتي هذا القرار ليمثل محطة فاصلة في معركة قضائية وثقافية، تتجاوز مجرد عرض فيلم سينمائي لتطال جوهر العلاقة بين الفن والمجتمع، وحدود حرية الإبداع في مصر.

شهدت الجلسة الأخيرة حضورًا لافتًا لممثلي وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، استجابة لطلب المحكمة، مما يعكس الأبعاد العميقة التي اكتسبتها القضية. فالمسألة لم تعد تقتصر على محتوى الفيلم، بل امتدت لتصبح اختبارًا حقيقيًا لموقف مؤسسات الدولة من الفكر التنويري وحماية الإبداع الفني من محاولات فرض وصاية فردية أو مجتمعية.

الدستور والقانون في قاعة المحكمة

في مرافعته، استند الدكتور هاني سامح، محامي الدفاع عن الفيلم، إلى حصون قانونية ودستورية راسخة. فقد أوضح أن العمل، من تأليف الكاتب إبراهيم عيسى وإنتاج شركة السبكي، قد اجتاز بالفعل بوابة الشرعية الرسمية بحصوله على ترخيص من الرقابة على المصنفات الفنية. هذا الترخيص يحوّل أي دعوى لمنع عرضه إلى تعدٍ على سلطة الدولة ومؤسساتها، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى فكرية وقانونية.

لم تكن المرافعة مجرد دفاع عن فيلم، بل كانت دفاعًا عن مبدأ سيادة القانون. فالمطالبة بتطبيق صحيح أحكام القانون رقم 430 لسنة 1955، وإحالة من يتجاوزون اختصاصات الجهات الرقابية للنيابة، هي في جوهرها دعوة لترسيخ أسس الدولة المدنية التي لا تسمح لأفراد أو جماعات بنصب أنفسهم أوصياء على ضمير المجتمع.

صراع يمتد من التاريخ إلى الحاضر

تكتسب هذه القضية الفنية أهميتها من سياق أوسع، فهي ليست وليدة اللحظة. فالدعاوى المقامة ضد الفيلم، والتي وصفتها إحدى المذكرات بـ”خفافيش الظلام وفلول التيارات التكفيرية”، تعيد إلى الأذهان معارك فكرية سابقة خاضتها مصر. إن استدعاء تاريخ الحركة التنويرية منذ عهد محمد علي والخديوي إسماعيل، وتصديهما لدعاة الجمود، يضع الجدل الحالي في مساره التاريخي الصحيح كحلقة جديدة في صراع ممتد بين التقدم والرجعية.

كما أن الإشارة إلى أفلام أيقونية مثل “الإرهابي” و”طيور الظلام” و”المصير” ليست مجرد استعراض لتاريخ السينما، بل هي تأكيد على أن الفن المصري كان دائمًا في طليعة المواجهة ضد الفكر المتطرف. هذه الأعمال لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت أدوات فعالة في تشكيل الوعي العام ودعم قيم الدولة الحديثة، وهو الدور الذي يُنتظر أن يلعبه الفن اليوم.

مادة دستورية تحسم الجدل

يبقى الدفع القانوني الأبرز هو التمسك بنص المادة (67) من الدستور المصري، التي حصرت حق تحريك دعاوى وقف أو مصادرة الأعمال الفنية في النيابة العامة وحدها. هذا النص الدستوري لم يأتِ من فراغ، بل وُضع كضمانة أساسية لمنع استخدام القضاء كأداة لفرض الوصاية الفكرية وتصفية الحسابات الشخصية أو الأيديولوجية، وهو ما يمثل حجر الزاوية في هذه القضية التي ينتظر الجميع حكم محكمة القضاء الإداري فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *