صحة

فوق القمم القاتلة.. دراسة ترصد «تحديثات بيولوجية» في أجساد البشر لمواجهة نقص الأكسجين

كيف تعيد المرتفعات صياغة الجسد البشري؟

صحفية في النيل نيوز، تركز على متابعة المستجدات الصحية وتقديمها بطريقة مبسطة للقراء

كشفت أبحاث حديثة أجريت على مجتمعات هضبة التبت أن التطور البشري لم يتوقف، بل يعيد هندسة وظائف الجسم الحيوية لتمكين السكان من البقاء في بيئات تخنق الغرباء. وأظهرت الدراسة التي قادتها عالمة الأنثروبولوجيا سينثيا بيل أن النساء اللواتي يمتلكن سمات جسدية معينة هن الأكثر قدرة على الإنجاب وتمرير جيناتهت، ما يعني أن الطبيعة تصطفي حاليًا سلالة بشرية قادرة على استخلاص الأكسجين من هواء المرتفعات الرقيق بكفاءة استثنائية.

تعتمد هذه الاستجابة البيولوجية على آلية معقدة تتجنب الفخ الذي يقع فيه المتسلقون العاديون؛ فبينما تزيد أجساد الغرباء من كثافة الدم لمواجهة نقص الهواء—ما يهدد بتجلطه أو إجهاد القلب—طوّر سكان المرتفعات قدرة على نقل الأكسجين دون زيادة لزوجة الدم. هؤلاء النساء يمتلكن مستويات متوازنة من بروتين «الهيموغلوبين» (المسؤول عن نقل الأكسجين في الكريات الحمراء)، مع كفاءة تشبع عالية جداً، ما يضمن وصول الطاقة للأنسجة دون تحويل الدم إلى سائل غليظ يصعب ضخه.

شملت الدراسة 417 امرأة في نيبال يعشن على ارتفاعات تتجاوز 3500 متر فوق سطح البحر، حيث قام الفريق البحثي بقياس معدلات المواليد الأحياء ونسب تشبع الأكسجين ووظائف القلب. وأظهرت النتائج المنشورة في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم في أكتوبر 2024، أن النساء الأكثر نجاحاً في الإنجاب يمتلكن حجرات قلب يسرى أوسع من المعدل الطبيعي، وهي المسؤولة عن ضخ الدم المؤكسج إلى كافة أنحاء الجسم.

تغيرت الأجساد.

ويرى الباحثون أن هذا التعديل البنيوي، الذي استغرق نحو 10 آلاف عام من الاستيطان في المنطقة، يمثل نموذجاً حياً للانتخاب الطبيعي الذي يشبه في منطقه الجيني وقاية سكان مناطق الملاريا من المرض عبر تطوير فقر الدم المنجلي. وبالتزامن مع هذه التغيرات البيولوجية، تلعب كفاءة تدفق الدم إلى الرئتين دوراً حاسماً في تعويض انخفاض الضغط الجوي، مما يجعل القلب يعمل كمضخة فائقة الأداء تتكيف مع بيئة تفتقر لثلث كمية الأكسجين المتاحة عند مستوى سطح البحر.

تؤكد سينثيا بيل من جامعة «كيس ويسترن ريزيرف» أن هذه السمات ليست مجرد مصادفة، بل هي وسيلة الطبيعة لضمان استمرار النوع في ظروف قاسية، حيث أن النساء اللواتي تتقارب فيزيولوجيا أجسادهن مع سكان المناطق المنخفضة من حيث كفاءة نقل الأكسجين هن اللواتي حققن أعلى معدلات نجاح في الولادات المستقرة، وهو ما يفسر كيف تحولت المرتفعات من بيئة طاردة إلى موطن مزدهر للبشر.

مقالات ذات صلة