غزة: أزمة الإعاقة الصامتة في قلب الصراع
تحليل يكشف كيف حوّل انهيار الرعاية الصحية والنزوح القسري الإعاقة إلى تهديد وجودي لمئة وعشرين ألف فلسطيني.

تضاعف عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة ليبلغ 120 ألف شخص. هذا الرقم الصادم، الذي يتزامن مع اليوم العالمي الذي أقرته الأمم المتحدة لدعمهم، لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس تحولاً جذرياً في بنية المجتمع الفلسطيني تحت وطأة الصراع. لقد أفرزت العمليات العسكرية المستمرة جيلاً جديداً من المصابين بإعاقات دائمة، مما يضع عبئاً طويل الأمد على منظومة صحية واجتماعية منهارة بالأساس.
انهيار ممنهج للبنية التحتية الصحية
تشير البيانات إلى تدمير ما يقارب 84% من المرافق الصحية. لم يقتصر الأمر على المستشفيات العامة، بل امتد ليشمل مراكز الرعاية المتخصصة ومؤسسات إعادة التأهيل. توقفت برامج العلاج الطبيعي وتوفير الأجهزة المساعدة بالكامل. هذا التدمير المنهجي للبنية التحتية الطبية يحرم آلاف المصابين الجدد، بينهم 12 ألف طفل تعرضوا لبتر أطرافهم، من أي فرصة للتعافي أو التكيف. إن غياب الأطراف الاصطناعية والكراسي المتحركة ومواد العلاج الأساسية يحول الإصابة القابلة للتأهيل إلى إعاقة مركبة ومستدامة، مما يشكل انتهاكاً مباشراً للالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
تحول الإعاقة إلى تهديد وجودي
في ظل الحصار والنزوح، لم تعد الإعاقة مجرد حالة صحية. لقد تحولت إلى تهديد مباشر للحياة. يعيش الجرحى وذوو الإعاقة في مراكز إيواء مكتظة تفتقر لأبسط مقومات النظافة والمرافق الصحية الملائمة. أصبح التنقل شبه مستحيل، والحصول على الدواء أو الغذاء تحدياً يومياً. هذا الواقع القاسي يضاعف من معاناة النساء وكبار السن والأطفال، الذين يجدون أنفسهم في عزلة تامة، ويواجهون خطر المضاعفات الصحية الخطيرة دون أي أمل في الحصول على رعاية متخصصة. إن هذا الوضع لا يمثل فقط أزمة إنسانية، بل هو تفكيك متعمد لشبكات الأمان المجتمعي التي كانت تدعم الفئات الأكثر ضعفاً.
مسؤولية دولية وقانونية
تتجه الأنظار نحو الآليات القانونية الدولية لمواجهة هذه الأزمة. فالمشهد في غزة يضع القانون الدولي الإنساني أمام اختبار حقيقي، حيث تتجاوز التداعيات مجرد الأضرار الجانبية للعمليات العسكرية لتصل إلى مستوى الاستهداف المباشر للحق في الصحة والحياة. المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن تدمير المرافق الطبية ومنع وصول المساعدات الإنسانية تكتسب زخماً، مع دعوات موجهة إلى لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة لتفعيل صلاحياتها في الرصد والتحقيق. إن التحرك الدولي لم يعد خياراً دبلوماسياً، بل ضرورة ملحة لوقف تفاقم الكارثة الإنسانية وضمان حماية المدنيين وفقاً للمواثيق الدولية.











