عرب وعالم

طوكيو تنهي عقود “جنة الجواسيس”: هيكل استخباراتي جديد يثير مخاوف حقوقية في اليابان

رئيسة الوزراء تقود انقلاباً تشريعياً لمركزة الأمن القومي وإنشاء وكالة تجسس خارجية بحلول 2027

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تتأهب اليابان لإنهاء حقبة تاريخية وُصفت بأنها الأكثر تساهلاً مع الأنشطة الاستخباراتية الأجانبية، عبر إطلاق مجلس وطني للاستخبارات تقوده رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي مباشرة خلال الشهر الجاري. وذكرت صحيفة “جابان تايمز” اليابانية أن هذا التحرك يستهدف انتزاع صلاحيات جمع المعلومات وتحليلها من الوزارات المنعزلة وتركيزها في يد رئاسة الوزراء.

ويمثل هذا التوجه تراجعاً جذرياً عن العقيدة الأمنية المقيدة التي فرضتها المادة التاسعة من الدستور الياباني بعد الحرب العالمية الثانية، والتي قيدت لعقود بناء أجهزة استخباراتية هجومية خوفاً من العودة إلى الحقبة العسكرية. وبحسب القانون الجديد الذي أُقر في أواخر مايو الماضي، ستلتزم كافة الوزارات والهيئات الحكومية بتقديم ما تملكه من مواد ومعلومات إلى المجلس الجديد فور طلب رئيسه، في خطوة تنهي العمل المنعزل لتلك المؤسسات.

وبالتوازي مع المجلس، ستطلق طوكيو “المكتب الوطني للاستخبارات” كذراع تنفيذي يضم نحو 700 موظف، وفق ما أوردته الصحيفة اليابانية ذاتها. وسيتولى إدارة هذا المكتب مدير عام برتبة تعادل رتبة الأمين العام للأمن القومي، عبر دمج وترقية مكتب الاستخبارات والأبحاث الحالي التابع مجلس الوزراء، مع الاستعانة بكوادر إضافية من القطاع الخاص.

وتسعى إدارة تاكايتشي إلى الذهاب أبعد من التنسيق الداخلي، إذ ينص اتفاق الائتلاف الحاكم بين الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب الابتكار الياباني على تأسيس وكالة استخبارات خارجية مخصصة بحلول نهاية السنة المالية 2027. ونقلت “جابان تايمز” عن مسؤول حكومي رفيع أن الإدارة تعتزم التحرك بحذر لضمان دعم الرأي العام، لا سيما وأن هذه الخطط تتضمن تسريع سن تشريعات صارمة لمكافحة التجسس.

ويرى مراقبون أن رغبة طوكيو في التقارب مع تحالف “العيون الخمس” الاستخباراتي الغربي تفرض عليها تحديث منظومة حماية الأسرار ومكافحة التجسس. ومع ذلك، تواجه هذه الخطوات معارضة شعبية وسياسية واسعة؛ إذ لفت تقرير الصحيفة اليابانية إلى غياب أي نصوص صريحة في القانون الجديد تحمي خصوصية المواطنين، أو تنص على إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة أنشطة هذا الجهاز الوليد، مما يثير مخاوف جدية من إساءة استخدام السلطة والعودة إلى المراقبة العامة.

وتاريخياً، ظلت اليابان توصف بأنها “بيئة سهلة للجواسيس” بسبب غياب القوانين التي تجرم التجسس لغير العسكريين، وهو إرث ناتج عن الصدمة الشعبية من القمع الأمني إبان الحرب العالمية الثانية. وصرح المتحدث باسم الحكومة اليابانية، مينورو كيهارا، لصحيفة “جارديان” البريطانية بأن البيئة الأمنية المتغيرة بسرعة تفرض مواجهة أنشطة سرقة المعلومات الحساسة التي تهدد الأمن القومي. وكان البرلمان الياباني قد مرر في عام 2013 قانون “حماية الأسرار المصنفة” وسط احتجاجات عارمة، حيث فرض عقوبة السجن لـ 10 سنوات على مسربي أسرار الدولة كأقصى عقوبة.

ورغم الصورة الشائعة عن ضعف القدرات الاستخباراتية لليابان، كشفت وثائق سربها المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن أن مديرية استخبارات الإشارات اليابانية تعمل بتنسيق وثيق مع الجانب الأميركي منذ خمسينات القرن الماضي. وبحسب تحقيقات مشتركة بثتها هيئة الإذاعة اليابانية وموقع “ذا إنترسبت” بين عامي 2017 و2018، تدير هذه المديرية ست منشآت سرية على الأقل تضم 1700 موظف يتنصتون على الاتصالات الرقمية على مدار الساعة من مقرهم الرئيسي السري في مبنى “C1” بوزارة الدفاع في طوكيو، دون إطلاع أي جهة سوى رئيس الوزراء ومساعديه المباشرين.

وتظهر الوثائق المسربة ذاتها أن وكالة الأمن القومي الأميركية دربت العناصر اليابانية وزودتها بنظام المراقبة الشهير “XKeyscore” لتتبع حركة الإنترنت. وفي المقابل، ساهمت طوكيو بنحو 500 مليون دولار في تكاليف محطة مراقبة أميركية رئيسية في أوكيناوا، ضمن ثلاث منشآت تديرها واشنطن داخل الأراضي اليابانية لتعزيز التجسس الرقمي في المنطقة.

مقالات ذات صلة