فن

طارق النهري: دعوات الإغلاق والمفارقة الفنية

بين دعوات الإغلاق ودراما الشاشة: تفكيك رؤى طارق النهري

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

يخرج الفنان من وعكته الصحية، يعود للشاشة، لا ليحكي عن هشاشة الجسد أو عمق التجربة الإنسانية، بل ليحمل معه وصفات جاهزة للمجتمع؛ إغلاق مبكر للمحال، قطع شامل للإنترنت. صوت الفن، يفترض يفتح آفاقاً، لا يسدها.

الظهور، برنامج حواري نسائي الطابع، “الستات ما يعرفوش يكدبوا” على CBC. توقيت دقيق بعد خروجه من مستشفى. الأداء: حاسم، جازم، لا يقبل النقاش. يرى في الإغلاق عند التاسعة خلاصاً. تغيير ثقافة. يقولها. ببساطة. تلك التي اعتادت السهر، التي تبني اقتصادها على أرقام ما بعد الغروب. يرفضها. رفض للاعتياد. أما الشبكات، السوشيال ميديا، تلك التي شكلت جزءاً من تواصله مع الجمهور، تسببت في تفكك أسري. الحل؟ “لو قطعوا الإنترنت والسوشيال ميديا ورميناهم في الزبالة”. قاطع. حاد. حلول جذرية. من فنان؟

المفارقة تلتف حول المشهد كعقرب ساعة متوتر: فنان، يفترض أن يتغذى إبداعه على زخم الحياة، على تفاصيل الشارع المفتوح، على شبكات التواصل التي توصل فنه للملايين، يدعو إلى تقييد تلك المساحات. يدعو إلى “ثقافة” لا تتسق مع طبيعة مهنته المتأصلة في الليل أحياناً، في التقاط اللحظة المتأخرة، في التأمل العميق الذي لا يحده وقت إغلاق. يقترح إعدام ما يربط الناس، ليعودوا “ليروا بعضهم من تاني”. هل يعودون حقاً؟ أم ينعزلون أكثر في صمت الشوارع الخاوية بعد التاسعة، في بيوت بلا شاشات؟ ومسلسل “درش” الأخير له، الذي عرض في رمضان 2026، عن عامل عطارة يفقد الذاكرة، يتورط في صراعات، يتعدد زوجاته، يبحث عن هويته: عمل فني يغوص في تعقيدات النفس البشرية وتشابك الأقدار. فهل هذه هي الوصفة المجتمعية الجديدة التي يطرحها؟ تناقض صارخ بين عمق ما يقدمه على الشاشة، وسطحية ما يطالب به على الهواء.

أي فنان هذا الذي يرى في “الزبالة” نهايةً لكل ما يشوه صورة العائلة، في حين أن الفن نفسه ينهل من هذا التشويه ليعيد تشكيله؟ أي دعوة لبناء “ثقافة مجتمع” لا تمر عبر الفهم والتطوير، بل بالقطع والإزالة؟ ألا يدرك الفنان أن الإبداع الحقيقي ينبع غالباً من تلك الفوضى التي يسعى إلى قمعها؟

مقالات ذات صلة