ضربة أمريكية لإمبراطورية احتيال كمبودية ومصادرة 15 مليار دولار بتكوين

في خطوة قضائية غير مسبوقة، كشفت السلطات الأمريكية عن تفكيك واحدة من أكبر شبكات الاحتيال الإلكتروني في العالم، والتي كانت تعمل تحت غطاء مجموعة اقتصادية كبرى في كمبوديا. ووجه الادعاء الفيدرالي اتهامات مباشرة لرئيس شركة “برنس غروب” بتسيير مخطط إجرامي ضخم، أسفر عن أكبر عملية مصادرة في تاريخ وزارة العدل الأمريكية.
تفاصيل الاتهام وإمبراطورية الخداع
أعلنت النيابة الفيدرالية في بروكلين بنيويورك عن توجيه لائحة اتهام لرجل الأعمال الصيني المولد، تشين تشي (38 عامًا)، المقيم في كمبوديا، بتهم التآمر لارتكاب احتيال عبر الإنترنت وإدارة مخطط واسع لـغسل الأموال. وتكشف أوراق القضية أن عمليات الشركة اعتمدت على استغلال عمالة قسرية في كمبوديا، حيث كان يتم إجبارهم على التلاعب عاطفيًا بآلاف الضحايا في الولايات المتحدة وحول العالم.
اعتمد المخطط على أسلوب يُعرف بـ”ذبح الخنازير”، وهو نوع من الاحتيال طويل الأمد يبدأ ببناء علاقة ثقة مع الضحية قبل إقناعه باستثمار أمواله في منصات وهمية، ليتم الاستيلاء عليها لاحقًا. وتُظهر هذه الآلية مدى التطور الذي وصلت إليه الجريمة المنظمة، حيث تمزج بين الهندسة الاجتماعية واستغلال التكنولوجيا المالية لتحقيق أرباح طائلة، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
خسائر بمليارات الدولارات
وفقًا لدراسة حديثة، تجاوزت خسائر ضحايا هذه العمليات عالميًا 75 مليار دولار في الفترة بين يناير 2020 وفبراير 2024، ما يوضح النطاق الصناعي لهذه الجرائم. وقال المدعي العام الأمريكي جوزيف نوسيللا إن عمليات الاحتيال التي نفذتها “برنس غروب” تسببت في “معاناة لا توصف للضحايا”، مؤكدًا أن هذا الاتهام التاريخي يمثل رسالة ردع قوية للمحتالين في كل مكان.
ورغم خطورة الاتهامات، لا يزال تشين تشي طليقًا، وفقًا لمتحدث باسم الادعاء. المفارقة تكمن في أن الشركة التي يترأسها تقدم نفسها على أنها واحدة من أكبر التكتلات الاقتصادية في كمبوديا، وتضم أكثر من 100 شركة في مجالات متنوعة، من التطوير العقاري إلى التكنولوجيا، ما يطرح تساؤلات حول البيئة التي سمحت بنمو هذه الإمبراطورية الإجرامية تحت ستار الشرعية.
أكبر عملية مصادرة في التاريخ
بالتوازي مع الاتهامات الجنائية، قدمت وزارة العدل الأمريكية دعوى مصادرة مدنية شملت 127,271 وحدة بتكوين، بقيمة حالية تقارب 15 مليار دولار، وصفتها بأنها أكبر عملية مصادرة بتكوين في تاريخها. وأوضح الادعاء أن هذه العملات كانت مخزنة في محافظ رقمية خاصة يسيطر عليها المتهم، دون الكشف عن الآلية التي مكنت السلطات من الوصول إليها، وهو ما يضيف بعدًا غامضًا للعملية.
تحرك دولي منسق
لم يقتصر التحرك على الجانب القضائي، فقد صنّفت وزارة الخزانة الأمريكية “برنس غروب” كمنظمة إجرامية عابرة للحدود، ما يعني فرض عقوبات أمريكية صارمة عليها وتجميد أصولها وحظر التعامل معها. وفي بريطانيا، جمدت السلطات أصولًا تتجاوز 172 مليون دولار ضمن القضية، شملت 19 عقارًا فاخرًا في لندن، ما يؤكد وجود تنسيق دولي واسع لمواجهة أنشطة الشبكة.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق تاريخ طويل من الشبهات حول الشركة، حيث سبق للمدعين الصينيين اتهام شركات تابعة لها باستدراج أفراد للعمل في كازينوهات إلكترونية، ووصفتها جهات رسمية صينية بأنها “مؤسسة ضخمة للمقامرة العابرة للحدود”، حققت عائدات غير مشروعة بمئات الملايين من الدولارات. هذا التاريخ يوضح أن التحرك الأمريكي الأخير لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لجهود استخباراتية وقانونية دولية كانت تترصد سقوط إمبراطورية الاحتيال الإلكتروني هذه.






