صمود الصادرات الصينية يفضح حدود الحرب التجارية الأمريكية
رغم رسوم ترامب.. كيف صمدت الصادرات الصينية ولماذا فشلت الحرب التجارية؟

بعد مرور ستة أشهر على إطلاق الحرب التجارية التي قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تُظهر بيانات الصادرات الصينية صمودًا لافتًا، كاشفةً عن الأهمية الاستراتيجية التي لا تزال تتمتع بها منتجاتها في السوق الأمريكية، رغم وطأة الرسوم الجمركية المشددة.
يوميًا، تعبر سلع صينية بقيمة تقارب مليار دولار المحيط الهادئ باتجاه الولايات المتحدة، بل وسجل حجم الشحنات ارتفاعًا طفيفًا في سبتمبر مقارنة بأغسطس. وعلى الرغم من أن القيمة الإجمالية للتجارة الثنائية تراجعت خلال الأشهر الستة الماضية، فإن صادرات منتجات بعينها ارتفعت مقارنة بالعام الماضي، في تحدٍ واضح للتوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين.
تعكس هذه الأرقام حقيقة ميدانية مفادها أن قدرة الرسوم الجمركية الأمريكية على تغيير سلوك الشركات المستوردة لا تزال محدودة. فالواقع العملي يفرض صعوبة بالغة في إيجاد بدائل سريعة للهيمنة الصينية على قطاعات حيوية مثل المعادن النادرة والإلكترونيات، وهو ما يضعف من تأثير الإجراءات العقابية على المدى القصير، وإن كان هذا الوضع قد يتغير مع استمرار الضغوط.
ورقة ضغط في يد بكين
يشير هذا الصمود إلى أن الصين تمتلك أوراق قوة تفاوضية مهمة. فمكانتها الراسخة في قلب سلاسل التوريد العالمية تجعل من الصعب على المستوردين الأمريكيين الاستغناء عنها بسهولة، وهو ما يمنح الرئيس شي جين بينغ وفريقه موقفًا أقوى في المحادثات التجارية المرتقبة، والتي تهدف إلى تمديد الهدنة المؤقتة لما بعد مهلة التسعين يومًا.
خلال الربع الثالث وحده، تجاوزت قيمة البضائع الصينية التي دخلت السوق الأمريكية 100 مليار دولار، مما ساهم في الحفاظ على زخم النمو الاقتصادي الصيني ودفع الفائض التجاري لبكين مع واشنطن إلى 67 مليار دولار. وفي المقابل، وبينما يتوقع دونالد ترامب التوصل إلى “اتفاق جيد”، فإنه لا يستبعد تعثر المفاوضات التي تركز على ملفات حساسة مثل المعادن النادرة والفنتانيل وفول الصويا.
منتجات تتحدى الرسوم الجمركية
لا تقتصر قوة الصادرات الصينية على السلع التي تحتكرها عالميًا، بل تمتد لتشمل منتجات استهلاكية متنوعة. فبينما تراجعت معظم المنتجات العشرة الأكبر المصدرة إلى الولايات المتحدة، سجلت شحنات السجائر الإلكترونية ارتفاعًا ملحوظًا، كما حافظ الطلب الأمريكي على الدراجات الكهربائية الصينية على زخمه بقيمة تجاوزت 500 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر.
الأمر الأكثر لفتًا هو القفزة الهائلة في صادرات بعض المواد الصناعية، حيث ارتفعت صادرات ألواح النحاس المكرر من مستويات شبه منعدمة إلى 270 مليون دولار، بينما زادت صادرات الكابلات الكهربائية بنسبة 87% لتصل إلى 405 ملايين دولار، مما يؤكد صعوبة فك الارتباط الصناعي بين أكبر اقتصادين في العالم.
ثغرات في الجدار الجمركي
يساهم وجود تصدعات في جدار الرسوم الذي بناه ترامب في استمرار تدفق جزء من التجارة. ويوضح خبراء أن بعض المستوردين الأمريكيين يلجأون إلى حيل لتقليص التكلفة، مثل التصريح بقيمة جمركية منخفضة استنادًا إلى أول عملية بيع في دولة ثالثة، قبل رفع السعر عند وصول البضاعة إلى الموانئ الأمريكية.
كما أن الشحن غير المباشر عبر دول مثل المكسيك أو فيتنام يتيح لبعض الشركات تفادي الرسوم الجمركية الأمريكية بالكامل. هذه الثغرات، إلى جانب ما يصفه البعض بضعف الموارد البشرية لدى سلطات الجمارك الأمريكية لضبطها، تسمح باستمرار تدفق سلع بمليارات الدولارات، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، رغم الرسوم المرتفعة.
صمود الطرود الصغيرة
حتى بعد إلغاء الإعفاء الجمركي للطرود الصغيرة، واصل المستهلكون الأمريكيون الإنفاق بكثافة عبر منصات التجارة الإلكترونية الصينية العملاقة مثل “شي إن” و”تيمو”. وتشير البيانات إلى أن طرودًا صغيرة بقيمة تقارب 5.4 مليارات دولار دخلت السوق الأمريكية منذ إغلاق هذه الثغرة، مما يظهر قوة التجارة المباشرة مع المستهلك.
اتجاه عام نحو الانكماش
رغم كل مظاهر الصمود هذه، فإن الاتجاه العام لـالتجارة بين الصين وأمريكا يسير نحو الانكماش. فمساعي إدارة ترامب لإعادة توطين الصناعات الحيوية بدأت تؤتي ثمارها في بعض القطاعات، حيث تراجعت الشحنات الصينية الإجمالية إلى مستويات عام 2017، قبل اندلاع الحرب التجارية.
وانهارت صادرات أجهزة ألعاب الفيديو الصينية بعد أن نقلت شركات كبرى إنتاجها إلى فيتنام ودول أخرى، كما انخفضت شحنات شاشات التلفزيون بنسبة 73%. ويؤكد تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي أن وتيرة فك الارتباط التجاري بين البلدين تتسارع بشكل يفوق ما حدث في جولات الرسوم الجمركية السابقة، مما ينذر بتحولات هيكلية عميقة في خريطة التجارة العالمية.






