اقتصاد

صمود الاقتصاد العالمي في مواجهة توترات أمريكا والصين

رغم الحرب التجارية والرسوم الجمركية، الاقتصاد العالمي يظهر مرونة غير متوقعة.. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الصمود؟

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في مفارقة لافتة، أظهر الاقتصاد العالمي مرونة غير متوقعة في مواجهة الحرب التجارية المشتعلة بين واشنطن وبكين. فبعد ستة أشهر من فرض رسوم جمركية باهظة، لم تتحقق التوقعات الأكثر تشاؤمًا بحدوث ركود، بل استمر النمو وإن كان بوتيرة معتدلة.

تصعيد جديد في الحرب التجارية

تجددت التوترات مؤخرًا بعد فترة من التصريحات الإيجابية، حيث فرضت بكين قيودًا على صادرات العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد حيوية لصناعات متعددة تمتد من السيارات إلى الطائرات المقاتلة. وردًا على ذلك، لوّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بفرض المزيد من الرسوم الجمركية، مما يعيد أجواء عدم اليقين إلى الأسواق العالمية.

هذا التصعيد يضع العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم على المحك مجددًا، رغم وجود آمال بتجنب انهيار كامل. وتأتي هذه التطورات لتختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، والذي كان أداؤه المتوسط سببًا للارتياح في ظل المخاوف السابقة من تباطؤ حاد.

مرونة غير متوقعة وتوقعات حذرة

يعكس عدم حدوث تباطؤ اقتصادي حتى الآن مدى المنعة التي يتميز بها النظام الاقتصادي الحالي. فأستراليا، التي تعد الصين والولايات المتحدة من أكبر شركائها التجاريين، لا ترى وضعها حرجًا. وصرحت ميشيل بولوك، رئيسة البنك الاحتياطي الأسترالي، بأن بلادها “في وضع جيد جدًا”، مع التحذير من النظرة “الوردية” للأسواق الخارجية.

ورغم هذه المرونة، تتزايد التحذيرات من احتمال حدوث ركود في المستقبل، إذ يرى محللون أن السياسات التجارية التي انتهجها فريق ترمب لا يمكن أن تمر دون عواقب طويلة الأمد. ويصف صندوق النقد الدولي الوضع بأنه “ليس سيئًا كما كنا نخشى، ولكنه أسوأ مما توقعناه قبل عام”، مما يلخص حالة “نعم، ولكن” التي يعيشها الاقتصاد.

وقد رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي هذا العام إلى 3.2%، بزيادة طفيفة عن التوقعات السابقة، لكنه يتوقع تراجعه إلى 3.1% في عام 2026. هذه الأرقام، وإن كانت بعيدة عن سيناريو الكارثة، تشير إلى نمو عالمي يفتقر إلى الزخم القوي الذي شهده في فترات سابقة.

محركات النمو ومخاطر الفقاعات

يُعزى جزء من هذا الصمود إلى عوامل مؤقتة مثل زيادة الصادرات قبل تطبيق الرسوم الجمركية، إلى جانب الاستثمارات المحمومة في قطاع الذكاء الاصطناعي. ويثير هذا الاستثمار الهائل في الذكاء الاصطناعي مخاوف من تكرار سيناريو فقاعة الإنترنت في التسعينيات، والتي أدى انفجارها إلى ركود اقتصادي عام 2001.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن حقبة التسعينيات، رغم ما شابها من مضاربات، شهدت مكاسب اقتصادية حقيقية بفضل تحسينات الإنتاجية الناتجة عن الاستثمار في التكنولوجيا. وقد وصفها آلان غرينسبان، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، بأنها “اقتصاد جديد” قادر على تحقيق نمو متسارع دون توليد تضخم كبير.

نقاط ضعف في قلب القوتين العظميين

خلف الأرقام الإجمالية، تبدو كل من الولايات المتحدة والصين أقل قوة عند النظر إليهما بشكل منفصل. فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لكليهما؛ حيث من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 2% هذا العام، وهو انخفاض ملحوظ، بينما قد يتراجع النمو الاقتصادي في الصين من 4.8% إلى 4.2% بحلول 2026.

ولا تزال الصين تعاني من تحديات هيكلية عميقة، تشمل انهيار سوق العقارات، والاعتماد المفرط على الصادرات، وضعف الطلب المحلي، بالإضافة إلى شبح الانكماش، حيث أظهرت أحدث البيانات أطول انخفاض في الأسعار منذ عقود. هذه العوامل مجتمعة تضع ضغوطًا كبيرة على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

في المقابل، يواجه الاقتصاد الأمريكي مشكلاته الخاصة، حيث ينتظر المستثمرون صدور بيانات رئيسية قد تكشف عن مزيد من الضعف، مما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا. ويراهن المتداولون بالفعل على تخفيض واحد على الأقل في أسعار الفائدة، مما يعكس حالة من الترقب الحذر.

في النهاية، ورغم كل هذه التحديات والعيوب، تواصل الاقتصادات الكبرى المضي قدمًا. وفي ظل التوقعات القاتمة التي سادت سابقًا، يبدو هذا الصمود النسبي بمثابة “كأس نصف ممتلئ”، مما يمنح الأسواق العالمية سببًا نادرًا للارتياح الحذر في مواجهة التوترات التجارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *