شقق كييف تتحول لثلاجات.. سكان يواجهون الصقيع بلا كهرباء أو تدفئة
ملايين الأوكرانيين يعيشون شتاءً قاسياً بعد ضربات روسيا على شبكة الطاقة

في قلب العاصمة الأوكرانية كييف، تتجلى مأساة إنسانية يومية مع كل درجة حرارة تنخفض. هنا، لا يقتصر الأمر على أصوات القصف، بل يمتد إلى صمت المصاعد المتوقفة وبرد الشقق القارس.
تاتيانا، السبعينية التي تعاني من مشاكل في القلب، تعلمت كيف تتحكم في أنفاسها وهي تتسلق درجات السلم المجمد، طابقاً تلو الآخر، لتصل إلى شقتها بالدور التاسع. أسبوعان كاملان قضتهما بلا تدفئة، ولم تجد حلاً سوى تشغيل فرن الغاز في مطبخها لعلّه يجلب بعض الدفء. تقول بحسرة: “ده خطر، بس هنعمل إيه؟ نموت من البرد؟”.

تاتيانا ليست وحدها في هذا الكفاح. ملايين الأوكرانيين يعيشون شتاءً قاسياً، حيث تحولت المنازل إلى ساحات معركة جديدة، بعد الضربات الروسية المتكررة على شبكة الطاقة. الكهرباء والتدفئة والمياه تنقطع لساعات وأيام، لتزيد من معاناة الناس في ظل ظروف طوارئ أعلنتها السلطات الأوكرانية مع وصول درجات الحرارة إلى 20 تحت الصفر.
“برد. برد. الجو برد جداً”، تقول تاتيانا وهي ترتدي معطفاً طويلاً من جلد الغنم. “بمشي وأنا برتعش. خصوصاً الصبح. بصحى وبلاقي الجو فظيع”.

الحياة في أوكرانيا كانت صعبة بما فيه الكفاية مع تهديد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الروسية التي تستهدف المناطق السكنية. في هذا المبنى المكون من 17 طابقاً، توقفت التدفئة في 9 يناير بعد ضربة استهدفت مبنى مجاوراً. انقطعت الكهرباء أيضاً، رغم أنها بدأت تعود بشكل متقطع. تأثرت المياه كذلك، وما زالت بعض الشقق البالغ عددها 380 شقة بلا مياه جارية.
في نفس المبنى، التقينا بداريا، شابة حامل تصعد ببطء إلى الطابق السادس عشر بصحبة ابنها ميشا ذي العامين. رحلة شاقة في الظلام والصقيع. “يلا يا حبيبي، قربنا نوصل”، تقول داريا لابنها الصغير وهي تستخدم كشاف هاتفها لشق طريقها في الممرات المظلمة. حرارة شقتها لا تتعدى 3 درجات مئوية بعد الضربة الصاروخية التي طالت المنطقة. “لما بتدخل الشقة، حرفياً بخار النفس بيطلع من بقك طول الوقت. مع طفل صغير، ده مستحيل”، تضيف داريا التي اضطرت للانتقال مؤقتاً لبيت أقاربها.

تعود داريا وابنها كل بضعة أيام لتفقد منزلهما وشقة جارهما. “جينا إمبارح وقعدنا ساعتين تلاتة بس، وبردت لدرجة إن زوري وجعني”، تقول داريا.

لكن وسط كل هذه الصعوبات، تتجلى روح التكافل. سكان المبنى يتواصلون عبر الهواتف، يسألون عن المحتاجين ومن يستطيع تقديم المساعدة. الأقوياء بدنياً يحملون الطعام والماء والدواء لكبار السن أو من لا يستطيعون الحركة، خاصة من يعيشون في الطوابق العليا التي تحولت سلالمها إلى مصيدة جليدية.

ييفا، الشابة ذات الثلاثة وعشرين عاماً، ما زالت تقيم في شقتها مع صديقها وكلبهما. ترتدي معطفاً وردياً زاهياً، وتساعد في توصيل الإمدادات للجيران المحاصرين. “بنحاول نكون أقويا، بنحاول نبتسم”، تقول ييفا بابتسامة، وتضيف: “أحسن علاج لينا هو النكتة… دايماً بنهزر مع بعض، ده بيرفع معنوياتنا وقوتنا وبيخلينا نكمل”. تشير إلى بقعة جليدية خطيرة على أرضية الطابق السابع، نتيجة انفجار أنبوب مياه وتجمده.


تتوقف ييفا على السلالم، وتضحك وهي تشير إلى قدميها. “كام شراب لابسة؟”، نسألها. تجيب: “واحد، اتنين، تلاتة. وجزمة. بس في البيت بلبس اتنين كمان فوقيهم. الجو برد جداً”. الجميع يرتدون طبقات فوق طبقات من الملابس. “القاعدة الأساسية هي البنطلون جوه الشراب، وسويترات دافية”، توضح ييفا. “فيه كمان تيشرتات كتير جوه البنطلون. يعني شراب جوه شراب، وحتى شورت جوه شراب. ده أساسي”.
جهود جماعية أيضاً تبذل لإصلاح التدفئة. فسيفولود، 34 عاماً، يعيش في الطابق الثاني مع زوجته وطفله الصغير، لكنهم انتقلوا مؤقتاً بسبب الأزمة. يعود ليقدم المساعدة. يروي كيف استخدم هو ومجموعة من الجيران مشاعل لحام لإذابة الجليد من بعض الأنابيب التي تعتبر شرايين المبنى، تحمل الماء والدفء. “طاقم الطوارئ حاول،” يقول فسيفولود ونفسه البارد يتصاعد. “سخنوا المواسير في الدور التاني، وطلعوا للتالت، وفي الوقت اللي كانوا بيسخنوا فيه هناك، كل اللي تحت اتجمد تاني. كان مجهود ملوش لازمة. لكن لما ناس كتير تشتغل في نفس الوقت، وتسخن كل حاجة بالترتيب، بتلاقي نتيجة”.

لكن رغم كل هذا، لا تزال التدفئة معطلة، ويصعب تحمل البرد القارس حتى على أقوى الشخصيات. “أظن الإرهاق هو الجزء الأصعب”، تقول ييفا. “كل يوم لازم تحارب، لازم تعيش. أنت مش بتعيش بجد. الأيام كلها بتدخل في بعضها. مفيش يوم اتنين أو تلاتة تاني. هو يوم واحد مستمر من البقاء”.









