سباق الطاقة النظيفة: كيف تطلق الصين ثورة خضراء بينما تتمسك أمريكا بإرث الوقود الأحفوري؟

على رقعة الشطرنج العالمية، تدور معركة جديدة لا تقل ضراوة عن سابقاتها، معركة عنوانها الهيمنة على مستقبل الطاقة. فبينما يطلق التنين الصيني ثورة خضراء هائلة، يبدو أن العملاق الأمريكي، تحت قيادة ترامب، يفضل التمسك بإرث الوقود الأحفوري، في مفارقة ترسم ملامح النظام العالمي الجديد.
لم يعد الأمر مجرد سياسات اقتصادية، بل أصبح صراعاً استراتيجياً عميقاً يحدد من سيقود العالم في العقود القادمة. فمع تفاقم أزمة تغير المناخ، بات التحول نحو الطاقة المتجددة ضرورة حتمية، وهو السباق الذي تخوضه الصين بذكاء ودأب لترسيخ ريادتها العالمية في قطاع الطاقة المستدامة.
سياسات ترامب: رهان على الماضي يهدد المستقبل الأمريكي
في واشنطن، تبدو الصورة مختلفة تماماً. إذ تعتمد إدارة الرئيس ترامب على سياسة دعم قطاع الوقود الأحفوري بشكل غير مسبوق، تحت شعار “احفر.. احفر”، انطلاقاً من اعتبارات داخلية بحتة تتعلق بسوق العمل والاقتصاد التقليدي. هذا النهج، الذي تصفه صحيفة “وول ستريت جورنال”، لا يعرض الولايات المتحدة لانتقادات دولية فحسب، بل يضعها في موقف المتخلف عن ركب الثورة الخضراء العالمية.
وتتجاوز سياسات ترامب مجرد الشعارات، لتتحول إلى إجراءات ملموسة تعرقل مسيرة الطاقة النظيفة. فقد شددت الوكالات الفيدرالية القواعد على مشاريع التطوير الجديدة، وأنهت الإدارة ضمان قرض بمليارات الدولارات لخط نقل حيوي في الغرب الأوسط، كما أوقفت مشروعاً لمحطة رياح شبه مكتملة، وألغت تمويلاً ضخماً بقيمة 3.7 مليار دولار لتقنيات تهدف لخفض الانبعاثات الصناعية.
الأثر الاقتصادي لهذه القرارات كان سريعاً ومدمراً. فقد كشف تقرير مشترك لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومجموعة روديوم أن الشركات الأمريكية ألغت مشاريع تصنيع صديقة للبيئة في الربع الثاني أكثر مما أعلنت عنه لأول مرة على الإطلاق. كما هوى الاستثمار في الكهرباء النظيفة بنسبة 51%، وتأجل أو أُلغي ما قيمته 22 مليار دولار من مشاريع السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية.
تفوق الصين: استراتيجية ذكية وهيمنة على الصناعات الخضراء
في المقابل، كانت الصين تبني إمبراطوريتها الخضراء بصمت وكفاءة. الأرقام تتحدث عن نفسها، حيث قامت الصين بتركيب 277 غيغاوات من طاقة الرياح والطاقة الشمسية في سبعة أشهر فقط، وهو رقم يمثل أربعة أضعاف ما تتوقع أمريكا إضافته بحلول عام 2025. هذا التفوق الساحق يمنح الصين ميزة استراتيجية هائلة، خاصة في سباق الذكاء الاصطناعي الذي يلتهم كميات هائلة من الطاقة.
لم يتوقف تفوق الصين عند توليد الطاقة، بل امتد ليشمل السيطرة شبه الكاملة على سلاسل التوريد. فقد عززت الشركات الصينية قدرتها الإنتاجية في صناعة البطاريات وألواح الطاقة الشمسية، لتتضخم حصتها السوقية العالمية في هذه التقنيات الحيوية إلى أكثر من 75%، وفقاً لبيانات “BloombergNEF”، مما يجعل العالم يعتمد عليها لتأمين مستقبله الأخضر.
يكمن سر هذا التفوق في السيطرة على الموارد الحيوية. فالصين تهيمن على سوق المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر أساسية لا غنى عنها في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والإلكترونيات المتقدمة. هذه الهيمنة تمنح بكين ورقة ضغط جيوسياسية واقتصادية هائلة، وتجعل من الصعب على أي دولة أخرى منافستها بجدية في هذا المجال.
رؤى الخبراء: لماذا تتراجع أمريكا؟
يرى الدكتور مصطفى البزركان، مستشار أسواق الطاقة، في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن تذبذب السياسات الأمريكية أفقد واشنطن قدرتها على المنافسة. ويؤكد أن سياسة ترامب الداعمة للنفط ورفضه الالتزام بـاتفاقية المناخ، صبّا بشكل مباشر في مصلحة الصين التي تسعى بجدية لخفض انبعاثاتها.
هذا الرأي يدعمه لي شو، مدير مركز الصين للمناخ في معهد سياسات جمعية آسيا، الذي شبه الفجوة بين البلدين في تقرير لمجلة “نيوزويك” بمباراة كرة سلة يُهزم فيها الفريق الأمريكي بفارق 30 نقطة في الربع الأخير. ويضيف: “تتحدث إدارة ترامب عن هيمنة أمريكا على الطاقة، بينما تدعم صناعات من القرن العشرين مثل الفحم، في وقت تسيطر فيه الصين بالفعل على مستقبل الطاقة النظيفة”.
وتشير الدكتورة وفاء علي، أستاذة الاقتصاد والطاقة بالقاهرة، إلى أن الاقتصاد الأمريكي يعاني من حالة عدم يقين، بينما تتقدم الصين بخطى ثابتة. وتضيف: “لقد أصبحت الصين تتحكم في 80% من سلاسل توريد البطاريات عالمياً، وتمتلك نصف السعة العالمية لتخزين الطاقة، وتنتج 90% من بطاريات العالم، مما يجعلها المتفوقة بلا منازع في سباق الطاقة النظيفة العالمي”.
إعادة تشكيل خريطة القوة العالمية
إن هذا التباين الحاد في الرؤى لا يعيد تشكيل أسواق الطاقة فحسب، بل يرسم خريطة جديدة للقوة الجيوسياسية. فبينما تحصد الصين ثمار استراتيجيتها القائمة على الابتكار والإنتاج الضخم، تواجه الولايات المتحدة تحدياً وجودياً للحفاظ على مكانتها كقوة تكنولوجية واقتصادية رائدة في العالم.
إن رهان الصين على المستقبل الأخضر ليس مجرد سياسة بيئية، بل هو أداة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. فكل دولة تسعى اليوم للتحول الأخضر تجد نفسها مضطرة للتعاون مع بكين، مما يمنحها نفوذاً هائلاً. في المقابل، قد يكلف الرهان الأمريكي على إرث الوقود التقليدي واشنطن موقعها المتقدم في معادلة الطاقة العالمية لعقود طويلة قادمة.









