عرب وعالم

زلزال الدوحة يهز الأمن الخليجي: البحث عن مظلة دفاعية جديدة بعيداً عن واشنطن

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

لم تكن الانفجارات التي هزت الدوحة قبل شهر مجرد استهداف إسرائيلي لقيادات حماس، بل كانت بمثابة زلزال جيوسياسي ضرب أسس الأمن الخليجي المستقرة لعقود. هذا الهجوم، الذي جاء بعد أشهر قليلة من ضربة صاروخية إيرانية، دق أجراس الإنذار في عواصم مجلس التعاون، معلنًا عن نهاية عصر وبداية مرحلة جديدة من البحث عن أمن حقيقي في منطقة لا ترحم المتغيرات.

تصدع الثقة في المظلة الأمريكية

على مدار عقود، استندت دول الخليج إلى إطارين للدفاع: الأول جماعي عبر اتفاقيات مثل الدفاع العربي المشترك واتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون، والثاني فردي عبر تحالفات وثيقة مع قوى عالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. لكن الضربة الإسرائيلية الأخيرة كشفت عن ثغرة قاتلة في هذه المنظومة، فالحليف الأمريكي الوثيق لإسرائيل بدا عاجزًا أو غير راغب في لجم تل أبيب، مما أثار شكوكًا عميقة حول جدوى المظلة الأمريكية حين يتعلق الأمر بتهديد إسرائيلي.

لقد كشف الهجوم عن هشاشة الوضع الأمني وأظهر قصورًا واضحًا في عدة جوانب حيوية، وهو ما دفع المؤسسات الدفاعية في الخليج إلى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها. لم يعد التهديد يقتصر على إيران من الشرق، بل ظهر خصم جديد من الشمال الغربي بقدرات متطورة واستعداد لتجاوز كل الخطوط الحمراء.

نقاط ضعف كشفها الهجوم

يمكن تلخيص أوجه القصور التي فضحها استهداف الدوحة في أربع نقاط رئيسية، مثلت صدمة لصناع القرار في المنطقة:

  • فشل استخباراتي: عجز واضح في تقدير النوايا والتحركات الإسرائيلية تجاه قيادات حماس المقيمة في الدوحة.
  • ضعف الإنذار المبكر: عدم قدرة شبكات الرصد الخليجية على اكتشاف أو تمييز الطائرات والذخائر الإسرائيلية الموجهة.
  • قواعد اشتباك غير فعالة: ثبوت عدم فاعلية قواعد الاشتباك الجوي المتبعة ضد تهديدات متطورة ومعقدة كالتي نفذتها إسرائيل.
  • تآكل الردع الأمريكي: الشك في مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها الخليجيين من أي عدوان قد تشنه إسرائيل.

الخليج على مفترق طرق: تحالفات جديدة تلوح في الأفق

في أعقاب الصدمة، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام لحظة فارقة تتطلب قرارات استراتيجية جريئة. الخيارات المطروحة لم تعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لإعادة بناء منظومة أمنية قادرة على الصمود. المسار الأول يتمثل في الضغط على واشنطن للحصول على ضمانات حقيقية، وربما ربط الاستثمارات الخليجية الضخمة بتعهدات أمنية أكثر صرامة. أما المسار الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل في التحرك نحو تنويع الشراكات الدفاعية.

هنا يبرز الاتفاق السعودي الباكستاني كأولى ثمار هذا التحول. توقيت الاتفاق، بعد أسابيع قليلة من ضربة الدوحة، يحمل دلالات عميقة. فالسعودية، القوة الإقليمية الأبرز، لم تنتظر طويلاً لتبعث برسالة واضحة مفادها أن أمنها لن يظل رهينة لحسابات واشنطن المعقدة. باكستان، الدولة النووية الإسلامية الوحيدة، تقدم عمقًا استراتيجيًا ومظلة ردع محتملة، خاصة في مواجهة التهديد الإيراني التقليدي، والآن الإسرائيلي المستجد.

الاتفاق السعودي – الباكستاني: أبعد من مجرد حبر على ورق

العلاقات بين الرياض وإسلام آباد متجذرة تاريخيًا، لكن اتفاقية الدفاع المشترك الأخيرة تنقلها إلى مستوى غير مسبوق. ورغم أن التصريحات الباكستانية أشارت إلى أن الاتفاق يشمل “كل القدرات العسكرية بما فيها السلاح النووي”، إلا أن تفعيل هذا التحالف على الأرض يتطلب جهدًا هائلاً. فالأمر يستدعي توحيد المفاهيم العسكرية، وإجراء تدريبات مشتركة مكثفة، وربط شبكات القيادة والسيطرة، وربما تمركز قوات باكستانية على الأراضي السعودية.

هذه الخطوة، وإن كانت تبدو كرد فعل مباشر على تآكل الثقة في واشنطن، تخدم أيضًا مصالح باكستان الاقتصادية والجيوسياسية، وتقطع الطريق على أي طموح هندي للتواجد عسكريًا في المنطقة، وهو ما يصب في صالح الصين، الحليف الاستراتيجي لإسلام آباد. لقد بدأت كرة الثلج في التدحرج، وقد تفتح الباب واسعًا أمام تعاون عسكري صيني-سعودي في المستقبل.

هل يكفي “درع الجزيرة” وحده؟

على الرغم من امتلاك دول الخليج ترسانات عسكرية حديثة ومتطورة، وإنفاقها مليارات الدولارات سنويًا على الدفاع، إلا أن فكرة الاعتماد على منظومة “الردع الخليجي المشتركة” وحدها تبدو غير واقعية. لقد تأسست قوة درع الجزيرة منذ عام 1982، وتطورت لتشمل قوات جوية وبحرية، لكنها لم تمنع وقوع الهجوم الأخير، كما أن بنود اتفاقية الدفاع المشترك التي تعتبر “الاعتداء على أي دولة اعتداءً على الجميع” لم يتم تفعيلها عسكريًا.

الفجوة الأمنية التي كشفتها الضربة الإسرائيلية لا يمكن سدها فقط بشراء المزيد من الأسلحة، بل تتطلب خطوات جماعية حقيقية. تبدأ هذه الخطوات بربط أنظمة الإنذار المبكر والرادارات لمراقبة كافة الاتجاهات الاستراتيجية، وتسيير دوريات جوية مشتركة، والأهم من ذلك، بناء توافق سياسي صلب حول تعريف التهديدات وكيفية مواجهتها بشكل موحد وحاسم. للمزيد من المعلومات حول هيكل المجلس، يمكن زيارة الموقع الرسمي لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.

البحث عن عمق استراتيجي: مصر وتركيا في الصورة

قد تدفع المتغيرات الجديدة دول الخليج، على المدى المتوسط، إلى البحث عن عمق استراتيجي حقيقي لمعالجة المعضلة الديموغرافية والأمنية. هنا تبرز قوتان إقليميتان كبيرتان: تركيا ومصر. تتميز تركيا بصناعاتها العسكرية المتقدمة، خاصة في مجال المسيرات والدفاع الجوي، لكن تقاطع مصالحها أحيانًا مع دول الخليج قد يعقد الشراكة. بالمقابل، تمثل مصر عمقًا استراتيجيًا طبيعيًا وتاريخيًا للخليج، بقواتها المسلحة الضخمة وذات الخبرة، وقربها الجغرافي، وعلاقاتها المتوازنة، مما يجعلها الحليف الأكثر منطقية في معادلة الأمن الجديدة التي تتشكل اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *