حقنة في العين تعيد الشباب لخلايا ميتة.. هل تنهي عهد «المياه الزرقاء» أم تسبب السرطان؟
علماء يختبرون إعادة برمجة جينات العين لإصلاح تلف العصب البصري وسط مخاوف من أورام سرطانية

بدأت شركة «لايف بايوساينسز» الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية، أولى تجاربها البشرية بحقن مريض بـ علاج تجريبي يحمل اسم (ER-100)، يستهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء داخل خلايا العين الهرمة لعلاج العمى واستعادة الرؤية، في خطوة علمية تثير آمالاً واسعة لكنها تقابل بمخاوف طبية شديدة الخطورة.
هذا العلاج الثوري يحاول إعادة برمجة الجينات داخل الخلايا العصبية التي تربط العين بالدماغ، وهي خلايا معروفة علمياً بأنها لا تتجدد طبيعياً إذا تلفت، مما يعني أن أي ضرر يصيبها بسبب أمراض مثل «المياه الزرقاء» يؤدي عادة إلى فقدان بصر دائم لا رجعة فيه.

وتعد المياه الزرقاء (الجلوكوما) المسبب الثاني للعمى عالمياً، وتنتشر بمعدلات مرتفعة في مصر والعالم العربي بين كبار السن ومرضى السكري، حيث يتسبب ضغط العين المرتفع في تدمير العصب البصري تدريجياً دون أعراض واضحة في البداية.
ويعتمد الابتكار الجديد على تنشيط ثلاثة جينات محددة تُعرف باسم «عوامل ياماناكا» لإعادة الخلايا البالغة إلى حالة شبيهة بالخلايا الجذعية الجنينية، وهي تقنية مستوحاة من أبحاث يابانية نالت جائزة نوبل، لكن العلماء في التجارب الحالية استبعدوا جيناً رابعاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو الأورام، في محاولة لمنع تحول الخلايا المعالجة إلى خلايا سرطانية داخل العين.
**مخاوف من أورام وسيناريوهات غامضة**
ورغم حماس الفريق العلمي بقيادة عالم الجينات في جامعة هارفارد، ديفيد سنكلير، الذي يرى أن الشيخوخة ليست تلفاً دائماً بل مجرد فقدان للمعلومات الكيميائية داخل الحمض النووي يمكن استعادته، فإن خبراء بيولوجيا الخلايا الجذعية يبدون قلقاً بالغاً؛ إذ يعتبر بعضهم اللعب بالبرمجة الجينية داخل العين مغامرة غير مأمونة العواقب قد تفشل تماماً أو تؤدي لنتائج عكسية.
ويرى المتشككون أن تعديل التعبير الجيني باستخدام فيروس ناقل، حتى وإن كان غير ضار، قد يخرج عن السيطرة في أي لحظة، كما أن إعادة برمجة الخلايا داخل عين المريض لن تخفض ضغط العين المرتفع المسبب للجلوكوما، مما يعني أن الخلايا «المُجددة» قد تتعرض للتلف مجدداً بمجرد زوال تأثير العلاج.
**مفتاح أمان لتعطيل الجينات**
لتفادي السيناريوهات الكارثية، وضع المطورون نظام تحكم دقيق يُشبه «مفتاح الأمان»؛ فالجينات المعالجة لن تعمل داخل عين المريض إلا إذا تناول مضاداً حيوياً معيناً بانتظام لعدة أسابيع، وبمجرد التوقف عن تناول هذا المضاد الحيوي، تتوقف الجينات المعدلة عن العمل فوراً، مما يمنح الأطباء فرصة للتدخل السريع وإيقاف العلاج إذا ظهرت أي أعراض جانبية خطيرة.
هذه الطريقة في نقل الجينات عبر النواقل الفيروسية تشبه تقنية دواء «لوكسيتورنا» الشهير، وهو أول علاج جيني للعين اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج نوع نادر من العمى الوراثي، لكن الفارق الجوهري هنا هو أن العلاج الجديد لا يكتفي باستبدال جين تالف، بل يسعى لتغيير عمر الخلايا ووظيفتها بالكامل.
وتستهدف المرحلة الأولى من التجارب السريرية الحالية التأكد من سلامة العقار أولاً على مجموعة صغيرة تضم 18 مريضاً فقط، من بينهم 12 يعانون من المياه الزرقاء مفتوحة الزاوية، و6 مرضى يعانون من تلف حاد في العصب البصري بسبب نقص التروية الدموية، وسيخضع جميع المشاركين للمتابعة الطبية الدقيقة لمدة لا تقل عن خمس سنوات لرصد أي تحولات غير طبيعية في الأنسجة.









