ترامب يجدد مساعيه لضم جرينلاند.. حسابات استراتيجية ومعادن نادرة وحرب تعريفات تلوح في الأفق
الرئيس الأمريكي يدفع بقوة نحو الاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم وسط تحذيرات أوروبية ومخاوف من تصعيد اقتصادي.

لم يوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما إذا كانت الصورة المتداولة لعلم أمريكي في جرينلاند رسمية، ساخرة، أم أنها نتاج للذكاء الاصطناعي. لكن الغموض، في عالمه السياسي، لا يمثل صدفة بل أداة متعمدة. فمنذ عام 2019، حين طرح فكرة “شراء” الجزيرة للمرة الأولى، دأب ترامب على استخدام النكات والميمات والإيحاءات البصرية لاختبار ردود الفعل وتجاوز حدود المقبول.
واليوم، بخلاف ما كان عليه الوضع سابقًا، يعود ترامب إلى البيت الأبيض مدعومًا بفريق يتبنى أجندته التوسعية. تحمل الصورة تاريخًا محددًا: “تأسست 2026″، ما يشير إلى جدول زمني سياسي. يمكن قراءة هذه الخطوة كرسالة مزدوجة؛ موجهة داخليًا إلى قاعدته الشعبية التي ترى في جرينلاند رمزًا للقوة الوطنية، وخارجيًا إلى عواصم مثل كوبنهاجن وبروكسل وبكين وموسكو.
يتجاوز هذا التصرف كونه مجرد صورة مركبة منعزلة، ليندرج ضمن سلسلة من التصريحات العلنية والتحركات الدبلوماسية. ففي مارس 2025، تعهد ترامب أمام الكونجرس بأن الولايات المتحدة ستحصل على جرينلاند “بالطرق السلمية أو بالقوة”. كما دعمت إدارته مشروع قانون يهدف إلى إضفاء الشرعية على عملية الاستحواذ. هذه التطورات أوجدت بؤرة توتر جديدة في الساحة الأطلسية، تحمل في طياتها أبعادًا اقتصادية قوية.
جرينلاند.. طموح استراتيجي قديم لواشنطن
لا تعد جرينلاند مجرد أرض عادية؛ فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تبلغ 2.17 مليون كيلومتر مربع، ولا يتجاوز عدد سكانها 57 ألف نسمة، غالبيتهم من الإسكيمو (الإنويت). ورغم أن حوالي 80% من مساحتها مغطاة بالجليد، فإن ظاهرة الاحتباس الحراري تسهم في توسيع الشريط الساحلي الصالح للسكن والاستغلال.
سبق للولايات المتحدة أن حاولت شراء الجزيرة من الدنمارك عام 1946. وقد أحيا ترامب هذا الحلم القديم خلال ولايته الأولى، ليجعله في ولايته الثانية عنصرًا محوريًا في إرثه السياسي. يسعى ترامب لتسجيل اسمه في التاريخ من خلال خطوة يرى أنها تضاهي، في سرده، شراء ألاسكا أو السيطرة على قناة بنما.
منح قانون الحكم الذاتي لعام 2009 جرينلاند صلاحيات واسعة في السياسة الداخلية، لكن شؤون الدفاع والسياسة الخارجية لا تزال تحت سيطرة كوبنهاجن. هذا يعني أن أي تغيير في وضع الجزيرة يتطلب موافقة دنماركية، رغم أن النقاش حول استقلال محتمل اكتسب زخمًا متزايدًا في الجزيرة، مدفوعًا الآن بالضغط الأمريكي. التشخيص في كوبنهاجن واضح لا لبس فيه: جرينلاند “ليست للبيع”، لكن الاحتكاكات الهاتفية المتتالية بين ترامب ورؤساء الوزراء الدنماركيين تؤكد أن واشنطن لا تنوي الانسحاب من هذه الساحة.
حسابات ترامب: الجليد والمعادن ومسارات القطب الشمالي
وراء رفع العلم في الثلوج تكمن حسابات دقيقة. فجرينلاند تضم بعضًا من أكبر الاحتياطيات المحتملة من المعادن النادرة في العالم، وهي ضرورية لتصنيع توربينات الرياح والمركبات الكهربائية والأسلحة المتطورة. ورغم أن الجليد ونقص البنية التحتية والتكاليف الباهظة أعاقت التعدين على نطاق واسع حتى الآن، فإن ذوبان الجليد يغير هذه المعادلة.</الدنماركyle=”text-align: justify”>علاوة على ذلك، يتحول القطب الشمالي إلى طريق بحري سريع. يمكن للمسارات الجديدة أن تختصر نحو 40% من المسافة بين آسيا وشمال أوروبا، محولة جزءًا من حركة الملاحة بعيدًا عن قناة السويس. السيطرة على جرينلاند تعني التحكم في جزء حيوي من هذه الشبكة، بالإضافة إلى توفير موقع استراتيجي للرادارات والقواعد العسكرية وأنظمة الدفاع الصاروخي.
يرى ترامب ومقربوه أن الدنمارك تفتقر إلى الموارد اللازمة لحماية الجزيرة في مواجهة روسيا، وخاصة الصين، التي يتهمونها بالتقدم عبر استثمارات في الموانئ والتعدين. النتيجة واضحة: لم يعد النقاش حول جرينلاند مقتصرًا على السيادة الرمزية، بل يدور حول من سيهيمن على سلاسل الإمداد الاستراتيجية اللازمة لتحول الطاقة ومسارات التجارة الجديدة في القطب الشمالي.
خطوط أوروبا الحمراء ودور “روته”
بينما يقلل ترامب من شأن القضية عبر صور على وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث بروكسل وكوبنهاجن عن “خطوط حمراء”. وقد أكدت الحكومات الأوروبية استعدادها للحوار بشأن الأمن في القطب الشمالي، لكنها ترفض أي تغيير في وضع الجزيرة لا يمر عبر الموافقة الصريحة من سكان جرينلاند والدنمارك.
في هذا السياق، يجد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، نفسه محاصرًا بين ضغط واشنطن ومخاوف الحلفاء من استغلال الحلف. ووفقًا لتقارير متعددة، أوضح روته في اجتماعات سابقة أنه لا يرغب في “جر الناتو” إلى عملية ضم محتملة، رغم أنه يدعم تعزيز الوجود الحليف في القطب الشمالي.
المكالمة “الجيدة جدًا” التي يزعم ترامب إجرائها مع روته بشأن جرينلاند تندرج ضمن هذا الصراع: يحاول الرئيس الأمريكي تقديم مشروعه كمسألة أمن عبر الأطلسي، بينما يراه العديد من الشركاء الأوروبيين عملية أحادية الجانب ذات تكلفة دبلوماسية باهظة. والأخطر، في نظر العديد من الدبلوماسيين، هو تقاطع العلاقة بين جرينلاند والناتو مع حرب تعريفات جمركية تلوح في الأفق.
روبيو وفانس.. نواة المشروع الصلبة
تحمل الصورة المنشورة على “تروث سوشيال” دلالات داخلية أيضًا: يظهر بجانب ترامب كل من جيه دي فانس وماركو روبيو، وهما من أبرز الشخصيات المؤثرة في ولايته الثانية. فانس، نائب الرئيس، جعل من استقلالية الطاقة وإعادة التصنيع في الولايات المتحدة شعاره؛ وتتناسب جرينلاند مع هذا السرد كمصدر محتمل للمعادن الحيوية “دون المرور عبر الصين”.
أما روبيو، فقد رسخ مكانته كـ”وزير لكل شيء”: فبالإضافة إلى قيادته لوزارة الخارجية، تولى مهامًا رئيسية في الأمن القومي وسياسة المساعدات الخارجية. وهو من أكد، في أوائل عام 2025، أن اهتمام ترامب بجرينلاند “ليس مزحة”، بل أولوية استراتيجية تضاهي السيطرة على قناة بنما.
يعزز وجودهما في الصورة فكرة أن الأمر لا يمثل نزوة رئاسية منعزلة، بل مشروعًا جرى العمل عليه من صميم السلطة التنفيذية. ويظهر التباين صارخًا مع عام 2019، عندما كانت الفكرة تُقابل بالسخرية حتى داخل المؤسسة الجمهورية. أما الآن، فهناك تشريعات مقترحة، وضغط دبلوماسي مستمر، وجهاز اتصالات منضبط للغاية يلتف حول هدف جرينلاند.
الأوراق على الطاولة: تعريفات جمركية وحرب تجارية
الصراع حول جرينلاند بات يحمل بالفعل تبعات اقتصادية ملموسة. فقد هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10% على منتجات العديد من الدول الأوروبية التي تعارض خطته بشكل مباشر، وفي بعض خطاباته، وصل الأمر إلى الحديث عن رسوم تصل إلى 25% في حال استمرار المقاومة.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يصدر سلعًا وخدمات إلى الولايات المتحدة بقيمة تتجاوز 2% من ناتجه المحلي الإجمالي، فإن تصعيد التعريفات الجمركية سيمثل ضربة جديدة بعد سنوات من التوترات التجارية المتقطعة. ولن تكون إسبانيا بمنأى عن ذلك؛ فالسوق الأمريكية تستوعب نحو 5% من صادراتها من السلع، مع ثقل خاص لقطاعات الأغذية الزراعية والسيارات والسلع الرأسمالية. وقد يؤدي فرض تعريفة إضافية بنسبة 10% إلى تقليص الهوامش في قطاعات تعاني بالفعل، وإجبارها على تحويل التدفقات إلى أسواق أخرى أقل ربحية.
في غضون ذلك، أعلنت الحكومة الدنماركية عن زيادات في الإنفاق العسكري بمنطقة شمال الأطلسي بمليارات الكرونات لتعزيز المراقبة في جرينلاند وحولها. وتُشكل هذه التطورات حلقة مفرغة: فالضغط الأمريكي يدفع نحو زيادة الإنفاق، ويُرهق الميزانيات الأوروبية، ويُعزز حجة ترامب بأن واشنطن وحدها تستطيع “ضمان” أمن الجزيرة.











