اقتصاد

بريق الذهب يلهب التضخم في تركيا.. ‘كنز الوسادة’ صداع في رأس البنك المركزي

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

في مفارقة اقتصادية لافتة، تحول الملاذ الآمن الذي طالما لجأ إليه الأتراك لحماية مدخراتهم إلى وقود يذكي نيران التضخم. فمع كل قفزة في أسعار الذهب عالميًا، تزداد ثروات الأسر التركية، لكنها في الوقت ذاته تضع البنك المركزي التركي في معركة أكثر شراسة لكبح جماح الأسعار التي استعصت على الحلول التقليدية.

تأثير الثروة.. معادلة معقدة

في بيوت الأتراك، وتحت وسائدهم كما يقول المثل الدارج، يختبئ كنز حقيقي يُقدره البنك المركزي بنحو نصف تريليون دولار من الذهب خارج النظام المصرفي الرسمي. هذا المخزون الهائل لم يعد مجرد مدخرات جامدة، بل تحول إلى محرك اقتصادي خفي، فارتفاع أسعار السبائك خلال العام الماضي وحده ضخ ما يزيد عن 100 مليار دولار في جيوب المواطنين، وهو ما يُعرف اقتصاديًا بـ“تأثير الثروة”.

هذا الشعور بالرخاء يدفع المستهلكين إلى مزيد من الإنفاق، وهو ما اعترف به محافظ البنك المركزي، فاتح قرة خان، بنفسه. وتشير حسابات مؤسسة “إيش بورتفوي” إلى أن أي زيادة إضافية بنسبة 10% في أسعار المعدن الأصفر قد تضيف 50 مليار دولار أخرى إلى هذه الثروة، ما يعمق الأزمة بدلًا من حلها.

شهية استهلاكية لا تهدأ

يرى الخبراء أن هذا الوضع يجعل مهمة السيطرة على التضخم شبه مستحيلة. ويوضح ليام بيتش، كبير خبراء اقتصاد الأسواق الناشئة في “كابيتال إيكونوميكس”، أن تركز هذا الحجم من الثروة في الذهب يولد تأثيرات إيجابية على الاستهلاك المحلي، لكنه في المقابل يعزز التوقعات بأن وتيرة خفض التضخم ستكون أبطأ بكثير مما هو مأمول.

لم تعد هذه مجرد نظريات، فقد كشف بحث أجراه البنك المركزي في مايو الماضي عن وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع أسعار الذهب وزيادة مبيعات المنازل والسيارات، خاصة في المدن التي تشتهر فيها الأسر بحيازة كميات كبيرة من المعدن النفيس، مما يؤكد أن هذا الكنز لم يعد نائمًا.

معركة البنك المركزي.. التضخم يرفض الاستسلام

يجد صانعو السياسة النقدية أنفسهم في مواجهة تحدٍ مزدوج، فبينما يحاولون تبريد الاقتصاد، يأتي بريق الذهب ليزيد من سخونته. وقد تسارعت وتيرة التضخم في تركيا بشكل غير متوقع في سبتمبر لتصل إلى 33.3% سنويًا، مدفوعة بارتفاعات حادة في قطاعات حيوية كالتعليم والإيجارات.

وفي كلمته أمام المشرعين، لم يجد المحافظ قرة خان بدًا من الإقرار بأن الذهب يدعم الطلب عبر تأثير الثروة، مفسرًا أن “التجارب التضخمية السابقة هي سبب ارتفاع حيازات الذهب في تركيا”. فالمواطن التركي يرى في الذهب حصنًا منيعًا ضد تآكل مدخراته، وهو سلوك متجذر في الذاكرة الاقتصادية للبلاد.

وبينما يستهدف البنك المركزي الوصول بمعدل التضخم إلى 24% بنهاية العام، تشير توقعاته الخاصة إلى أنه قد يتراوح بين 25% و29%، فيما تتوقع الأسواق أن تظل ضغوط الأسعار فوق مستوى 30%، في إشارة واضحة إلى أن معركة كبح جماح الأسعار لا تزال طويلة ومعقدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *