فن

الفن والإعلام: بوصلة الأمة

قامات عربية تناقش دور القوى الناعمة وتحديات العصر

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

شهدت نقابة الصحفيين بالقاهرة تجمعًا لافتًا لقامات فنية وإعلامية عربية، في ندوة نظمتها رابطة الإعلاميين العرب، لعلها دعوة متجددة لاستشراف دور الفن والإعلام العربي في معالجة قضايا الأمة. اللقاء لم يكن مجرد سرد لوقائع، بل محاولة لربط الفن بواقع مجتمعاتنا المعقد، في ظل تحديات تتطلب وعيًا ثقافيًا عميقًا.

دور الفن

من قلب الحدث، أكد الفنان محمد التاجي على الدور المحوري للفن، مشددًا على أنه لا يمكن إغفاله رغم حملات الهجوم المتكررة على الفنانين، والتي غالبًا ما تركز على الجانب المادي. وهو ما يثير تساؤلات حول فهم المجتمع لدور الفنان الحقيقي، حيث يرى التاجي أن هذه الاتهامات لا تنطبق إلا على قلة قليلة، بينما يواجه معظم الفنانين تحديات جمة. كما حذر من مخاطر السوشيال ميديا التي باتت سلاحًا ذا حدين، قادرة على نشر الوعي أو تزييف الحقائق.

التاجي، الذي نشأ في كنف جده الفنان الكبير عبد الوارث عسر، استلهم منه احترام المهنة وعظمتها، مؤكدًا على ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة. هذه الخلفية الفنية العريقة تمنح كلماته ثقلاً، إذ يرى أن الإخلاص في العمل الفني والإعلامي يجب أن يكون الدافع الأول، بعيدًا عن انتظار العائد المادي الفوري، في رسالة واضحة لأجيال اليوم بضرورة التفاني.

معركة الوعي

من جانبها، دقت الكاتبة والناقدة جهاد الدينار ناقوس الخطر، مشيرة إلى أن الأمة تواجه “معركة وعي” شرسة، خاصة مع الأجيال الجديدة التي تتشكل وعيها عبر منصات مختلفة. لا شك أن هذه المعركة تتطلب تفعيل دور القوى الناعمة، حيث ترى الدينار أن لمصر دورًا رياديًا تاريخيًا في الفنون والإعلام والثقافة والموسيقى والمسرح، وهو ما يجعلها في طليعة المواجهة الثقافية، ومركزًا للإشعاع الحضاري.

وقدمت الدينار مثالًا بفيلم “همام في أمستردام”، الذي اعتبرته إسقاطًا للحلم العربي، حيث استطاع بطله محمد هنيدي، بمساعدة زملائه العرب، تحقيق النجاح. هذا المثال يعكس كيف يمكن للعمل الفني المشترك أن يجسد طموحات أمة بأكملها، ويؤكد على قوة الرسالة التي يحملها الفن في تشكيل الوجدان الجمعي وتوحيد الصفوف.

مصر الحضن

المخرج الفلسطيني رياض الطهراوي وجه تحية لمصر، واصفًا إياها بـ”حاضنة الثقافة والفن”، ومذكرًا بأن عظماء عرب عاشوا فيها دون أن تُعرف جنسياتهم الأصلية، في دلالة على الانصهار الثقافي. ويرى الطهراوي أن الهجوم المستمر على مصر ليس إلا انعكاسًا لقوتها وأهميتها، داعيًا العرب للوقوف صفًا واحدًا بجانبها، فمصلحتهم تكمن في قوتها واستقرارها الإقليمي. مشهد يعكس عمق الروابط التاريخية التي تتجاوز الحدود السياسية.

في لمسة فنية، قدم الفنان ناصر النوبي معزوفة موسيقية، متحدثًا عن دور الموسيقى في تشكيل الوعي، ومطالبًا بتعليم الفنون للأبناء منذ الصغر. هذا التأكيد على التعليم الفني المبكر يتماشى مع رؤية أوسع لأهمية الفنون في بناء شخصية متكاملة وقادرة على مواجهة تحديات العصر. أما الفنان السعودي عبد الحميد العوام، فقد أثنى على عظمة مصر وحب العرب لها، معربًا عن طموحه لتقديم عمل فني مصري-سعودي مشترك، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الثقافي العربي ويعزز التبادل الفني.

تحديات وآفاق

يُرجّح مراقبون أن هذه الندوة، بتنوع المشاركين فيها من مختلف الأقطار العربية، تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية القوى الناعمة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. ففي عالم تتصاعد فيه الصراعات وتتداخل المصالح، يصبح دور الفن والإعلام ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الهوية وتعزيز التماسك المجتمعي. إنها محاولة جادة لترميم ما أفسدته سنوات من التشتت والتركيز على الخلافات، ولبناء جبهة ثقافية موحدة.

تشير التقديرات إلى أن التحديات التي تواجه الفن والإعلام العربي، من تراجع التمويل إلى سطوة منصات التواصل الاجتماعي، تستدعي استراتيجيات جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. بحسب محللين، فإن الدعوات المتكررة لتعزيز التعاون العربي في هذا المجال، كما عبر عنها الفنان السعودي، يمكن أن تكون مفتاحًا لخلق محتوى عربي قوي ومؤثر قادر على المنافسة عالميًا واستعادة الريادة الثقافية للمنطقة، وهو ما يتطلب رؤية واضحة ودعمًا مؤسسيًا.

في الختام، لم تكن ندوة رابطة الإعلاميين العرب مجرد لقاء عابر، بل كانت بمثابة صرخة مدوية لتأكيد أن الفن والإعلام ليسا مجرد وسيلتين للترفيه أو نقل الخبر، بل هما أدوات أساسية لتشكيل الوعي، وحماية الهوية، وبناء مستقبل الأمة. يبقى السؤال الأهم: هل تترجم هذه الدعوات الصادقة إلى خطط عمل ملموسة تعيد للفن والإعلام العربي بريقه وتأثيره المنشود، وتواجه التحديات بفاعلية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *