الغاز الروسي المحظور.. شريان طاقة جديد بين موسكو وبكين
بينما تتجنب واشنطن فرض قيود إضافية، تواصل الصين استقبال شحنات الغاز الروسي المسال الخاضع للعقوبات، مما يكشف عن استراتيجية جديدة في تجارة الطاقة العالمية.

في خطوة تكشف عن عمق التحالف الاستراتيجي بين موسكو وبكين، تواصل الصين استقبال شحنات الغاز الروسي المسال القادم من مشروعات خاضعة لـالعقوبات الأمريكية. هذه التجارة المستمرة لا تمثل فقط تحديًا للضغوط الغربية، بل ترسم ملامح خريطة طاقة جديدة تتشكل بعيدًا عن الهيمنة التقليدية.
وتؤكد أحدث بيانات تتبع السفن، التي جمعتها وكالة “بلومبرغ”، أن الناقلة “آيريس” المحملة بشحنة من منشأة “آركتيك إل إن جي 2” الروسية المدرجة على القائمة السوداء، في طريقها إلى محطة بيهاي جنوبي الصين. وتعد هذه الشحنة هي الحادية عشرة من نوعها التي تستقبلها بكين منذ أواخر أغسطس الماضي، مما يعكس وجود آلية منظمة ومستدامة لتجاوز القيود.
فجوة في جدار العقوبات
يأتي هذا التدفق المستمر للغاز في وقت يتجنب فيه البيت الأبيض فرض عقوبات ثانوية على الشركات التي تشتري الغاز الطبيعي المسال الروسي، على عكس الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ضد شركات نفط كبرى مثل “روسنفت” و”لوك أويل”. هذا التباين في التعامل يطرح تساؤلات حول وجود ثغرة متعمدة أو محسوبة في استراتيجية العقوبات، تهدف ربما إلى تجنب اضطرابات أكبر في أسواق الطاقة العالمية.
ويبرز هذا الموقف الأمريكي بشكل لافت، خاصة مع تشديد الحلفاء الأوروبيين قبضتهم. فقد فرضت المملكة المتحدة الأسبوع الماضي عقوبات على محطة بيهاي الصينية نفسها، بينما توصل الاتحاد الأوروبي إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف 45 كيانًا يساعد موسكو على الالتفاف على القيود، من بينها 12 شركة في الصين وهونغ كونغ. ويبدو أن هناك تبايناً في الأدوات والأساليب بين الحلفاء الغربيين لمواجهة الدعم الاقتصادي لروسيا.
“بيهاي”.. بوابة الصين الحصرية
لم تكن عملية استيراد الغاز عشوائية، فقد حددت الصين محطة بيهاي كمنفذ وحيد وحصري لاستقبال شحنات الغاز من مشروع “آركتيك إل إن جي 2”، الخاضع للعقوبات الأمريكية منذ عام 2023. تزامن بدء تسليم الشحنات مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، مما يضفي بعدًا سياسيًا واضحًا على هذه العلاقة التجارية، ويؤكد أنها جزء من تفاهمات أوسع بين البلدين.
وتكشف تفاصيل الرحلة عن شبكة لوجستية معقدة مصممة للتحايل على الرقابة. فالناقلة “آيريس” حمّلت شحنتها من وحدة تخزين عائمة شرقي روسيا، وهذه الوحدة بدورها استقبلت الغاز من مشروع “آركتيك”. وتخضع كل من منشأة التخزين والناقلة “آيريس” لعقوبات أمريكية سابقة، مما يعني أن العملية برمتها تتم خارج النظام المالي والتجاري الغربي.
تتبع الأسطول الموازي
لا تقتصر القصة على الناقلة “آيريس”، إذ تُظهر بيانات الشحن أن ثلاث ناقلات أخرى على الأقل، تحمل الغاز الروسي المسال المحظور، تتجه حاليًا إلى المحطة الصينية ذاتها. وتدعم صور الأقمار الاصطناعية هذه المعلومات، حيث أظهرت لقطات حديثة ناقلة غاز مسجلة بهونغ كونغ وهي تستلم وقودًا من ناقلة روسية خاضعة للعقوبات في عملية نقل من سفينة إلى أخرى بالقرب من ماليزيا، وهو تكتيك شائع لإخفاء مصدر الشحنات.
إن استمرار هذه التجارة يخدم مصالح الطرفين؛ فموسكو تجد متنفسًا حيويًا لإيراداتها من الطاقة، والتي تسعى من خلالها لمضاعفة صادرات هذا الوقود المبرد ثلاث مرات بحلول 2030، بينما تضمن بكين إمدادات طاقة بأسعار تنافسية، معززةً أمنها الطاقوي ومكانتها كقوة اقتصادية عالمية قادرة على تحدي النظام القائم.










