
تتجه الأنظار اليوم نحو صناديق الاقتراع في العراق، حيث تُعد الانتخابات البرلمانية محطة مفصلية ترسم ملامح مستقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي يطمح لولاية ثانية يستكمل بها مسار الإصلاح الاقتصادي. إنها لحظة حاسمة، فهدف السوداني (55 عاماً) يتجاوز الفوز السياسي لائتلافه “البناء والتنمية”، ليصل إلى فك الارتباط المزمن بين الاقتصاد العراقي والنفط، وهي مهمة ليست باليسيرة حتى لو حُسمت المعركة الانتخابية لصالحه.
اقتصاد النفط
يعيش العراق، للأسف، رهينًا لتقلبات سوق النفط؛ فوفق بيانات صندوق النقد الدولي، يغطي النفط أكثر من 90% من الإيرادات العامة، ما يجعله نقطة الضعف المحورية في هيكل الاقتصاد. يلخص زياد داوود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في “بلومبرغ إيكونوميكس”، هذه الحقيقة بعبارة صادقة على “لينكد إن”: “اقتصاد العراق يحيا ويمرض مع النفط“.
هشاشة النموذج
تُظهر التجارب الحديثة مدى هشاشة هذا النموذج، فخلال العقدين الماضيين، كلما انخفضت أسعار النفط، دخل العراق في ضائقة مالية حادة. تحول فائض الموازنة إلى عجز بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأزمة المالية العالمية (2008-2009)، ولجأت بغداد لصندوق النقد الدولي إبان طفرة النفط الصخري (2014-2016)، ثم خفضت قيمة الدينار لسداد الفواتير الحكومية في جائحة كورونا (2020)، وهي دروس قاسية لا يمكن تجاهلها.
الغريب أن البلاد زادت اعتمادها على النفط في السنوات الثلاث الأخيرة، رغم الأهداف المعلنة لتنويع الاقتصاد. يُرجّح مراقبون أن السبب يكمن في الارتفاع الضخم للإنفاق الحكومي، خصوصًا على الأجور والمعاشات، ما يجعل أي محاولة للإصلاح أشبه بالمشي على حبل رفيع. ويقدر داوود أن سعر النفط الحرج لموازنة العراق يبلغ نحو 53 دولاراً للبرميل لتغطية الرواتب، بينما يرى صندوق النقد الدولي أن سعر التعادل المالي يصل إلى 84 دولاراً، ما يكشف عن فجوة مقلقة.
“اقتصاد العراق يحيا ويمرض مع النفط”
زياد داوود – كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبرغ إيكونوميكس
رهانات السوداني
يُعد السوداني “المرشح الأوفر حظاً” في المشهد الانتخابي، لكن تشكيل الحكومة بعد الانتخابات سيكون مرهوناً بتحالفات معقدة، كما تشير “رويترز”. الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي، حيث يتعين على حكومته التوفيق بين التهدئة الاجتماعية عبر التوظيف الحكومي (700 ألف وظيفة جديدة ليصل الإجمالي إلى 4 ملايين)، ومتطلبات الإصلاح الهيكلي التي تدعو لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي، وهو توازن صعب للغاية.
إصلاحات جراحية
يصف السوداني الوضع الاقتصادي بأنه يحتاج إلى “إصلاحات أشبه بالعمليات الجراحية” لتقليص العجز وتعزيز الإيرادات غير النفطية. ورغم إطلاق مبادرات كبرى مثل فرص استثمارية بقيمة 450 مليار دولار، واتفاق مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) بقيمة 1.3 مليار دولار، وإنشاء صندوق العراق للتنمية، فإن المؤسسات الدولية تظل حذرة تجاه قدرة العراق على تحقيق تنويع حقيقي، بحسب داوود، وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى التحديات البيروقراطية العميقة.
“الإصلاحات التي يحتاجها اقتصاد العراق أشبه بالعمليات الجراحية”
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني
تحذيرات الصندوق
رغم إشادة صندوق النقد الدولي بقدرة العراق على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية، إلا أنه حذر بغداد من أن التوسع في الإنفاق سيزيد عجز الموازنة إلى 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025. يأتي هذا بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 2% في 2024 بسبب تراجع إنتاج النفط وتباطؤ القطاعات غير النفطية، وهي إشارة واضحة إلى أن الاعتماد على النفط يظل سيفًا ذا حدين.
تراجع الإيرادات
تتوقع تقديرات الصندوق تراجع عائدات النفط من 99.2 مليار دولار في 2024 إلى 79.2 ملياراً في 2026، متأثرة بانخفاض الأسعار العالمية. كما يُتوقع تراجع الاحتياطيات الأجنبية من 100.3 إلى 79.2 مليار دولار بحلول 2026، مع غياب شبه تام للاستثمار الأجنبي المباشر. هذه الأرقام، بصراحة، ترسم صورة مقلقة تتطلب تحركًا جادًا وسريعًا لزيادة الإيرادات غير النفطية والسيطرة على فاتورة أجور القطاع العام.
| المؤشر | 2024 | 2025 (توقع) | 2026 (توقع) |
|---|---|---|---|
| الناتج المحلي الإجمالي – النمو الحقيقي | سالب 2.3% | 3.1 % | 1.4 % |
| الإيرادات النفطية كنسبة من الناتج المحلي | 36 % | 33.3 % | 31.1 % |
| قيمة صادرات النفط الخام (مليار دولار أميركي) | 99.2 | 84.2 | 79.2 |
| الدين العام الإجمالي (كنسبة من الناتج الإجمالي) | 47.2 % | 47.2 % | 62.3 % |
| العجز المالي (كنسبة من الناتج المحلي) | سالب 2.4% | سالب 7.5 % | سالب 9.2% |
| سعر صرف الدينار العراقي (دينار لكل دولار – متوسط الفترة) | 1300 | 1300 | 1300 |
المصارف: الحلقة الأضعف
يمثل القطاع المصرفي العراقي منذ سنوات “الحلقة الأضعف” في اقتصاد يعتمد كليًا على النفط والإنفاق الحكومي، ما يعيقه عن دوره الحيوي في تحفيز الاستثمار والتنمية. تسعى الحكومة لاستعادة الثقة الدولية، خاصة بعد إدراج وزارة الخزانة الأميركية 14 مصرفاً عراقياً في القائمة السوداء عام 2023، للاشتباه في تورطها بغسل أموال وتحويلات مشبوهة، وهي ضربة قوية لسمعة القطاع.
إصلاح البنوك
أعاد البنك المركزي العراقي فتح ملف إصلاح القطاع المصرفي الخاص، مركزًا على تعزيز الشمول المالي، وزيادة الكفاءة، وخلق بيئة تنافسية عادلة، إلى جانب الشفافية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. يرى المحلل الاقتصادي مصطفى حنتوش أن ضعف البنية المصرفية يحد من تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويجعل الاقتصاد أسيرًا للإنفاق الحكومي، وهذا يفسر لماذا لا يزال العراق يعاني في جذب الاستثمارات الحقيقية.
طريق التنمية
يُعد مشروع “طريق التنمية” ركيزة الرهان الحكومي على تنويع الاقتصاد. يربط هذا المشروع ميناء الفاو الكبير جنوباً بالحدود التركية شمالاً عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية بطول 1160 كيلومتراً، بتكلفة إجمالية تبلغ 17 مليار دولار. إنه حلم كبير، يُتوقع أن يدر عوائد سنوية تصل إلى 4 مليارات دولار، ويجذب استثمارات تتجاوز 100 مليار، ويوفر 1.5 مليون فرصة عمل.
نجاح مشروط
يُنظر إلى “طريق التنمية” كممر اقتصادي قادر على تحويل العراق إلى مركز لوجستي إقليمي يعيد رسم خريطة التجارة بين آسيا وأوروبا. لكن نجاح المشروع يعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي وعلاقات العراق مع تركيا ودول الخليج، بالإضافة إلى تأمين التمويل والشراكات الدولية اللازمة، وهي تحديات ليست بالهينة، كما تشير “بلومبرغ”، فالمشاريع الكبرى تتطلب بيئة مستقرة لا تتوفر دائمًا في المنطقة.
ورقة كردستان
في إقليم كردستان العراق، سادت أجواء ترقب حذرة مع اقتراب الانتخابات، خاصة بعد توقيع اتفاق تصدير النفط الجديد بين بغداد وأربيل وتركيا في سبتمبر 2025. هذا الاتفاق، الذي أنهى أزمة دامت أكثر من عام ونصف، نص على استئناف تصدير 230 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب كركوك–جيهان بإشراف شركة “سومو” الحكومية، مقابل التزام بغداد بتحويل حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية بانتظام. إنه تفاهم هش، لكنه أعاد بعض الثقة.
توازن دقيق
ترى الحكومة الاتحادية في بغداد أن الاتفاق يشكل اختباراً لمبدأ وحدة القرار النفطي والمالي، مؤكدة سيطرتها القانونية على التصدير وتقييد هامش المناورة لحكومة أربيل، بحسب “رويترز”. في المقابل، تعتبر القوى الكردية الاتفاق فرصة لضمان تدفق مستقر للإيرادات وتسوية الملفات المالية المعلقة قبل تشكيل الحكومة الجديدة، ما يعزز نفوذها التفاوضي. استقرار العلاقة بين بغداد وأربيل بعد الانتخابات سيكون عاملاً حاسماً في قدرة السوداني على تنفيذ إصلاحاته الاقتصادية.
مفترق طرق
بعد إسدال الستار على انتخابات اليوم، سيكون العراق أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن يواصل مسار الإصلاحات الصعبة نحو اقتصاد متنوع ومستدام، أو يعود إلى دورة الاعتماد المفرط على النفط وتقلباته، وهو مصير لا يتمناه أحد. تُشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن العام المقبل سيكون صعباً، حيث يُتوقع أن يسجل العراق أحد أضعف معدلات النمو بين الاقتصادات العربية، بنمو يبلغ 1.4% فقط، بانخفاض حاد مقارنة بالتقديرات السابقة.
السؤال الرئيسي الذي سيظل مطروحًا بعد حسم الطرف الفائز هو: هل ستمنح نتائج هذه الانتخابات العراق الفرصة للخروج من عباءة النفط، أم ستظل أسعار الخام هي المحدد الرئيسي لمصير البلاد السياسي والاقتصادي مستقبلاً، كما هو الحال حالياً؟ إنه تحدٍ وجودي، يتطلب رؤية جريئة وإرادة سياسية لا تلين.






