
منذ أن دخلت طفرة الذكاء الاصطناعي أوجها، بدأت تلوح في الأفق تحذيرات من فقاعة مضاربة قد تضاهي موجة فقاعة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات، تلك التي انتهت بانهيار مذهل وموجة إفلاسات. يجد المرء نفسه أمام مشهد يثير الدهشة، فبينما تضخ شركات التقنية مئات المليارات، بل وربما التريليونات، في الرقائق ومراكز البيانات المتطورة، يبقى السؤال الأهم: هل هذه استثمارات حقيقية لمستقبل واعد، أم مجرد زبد يسبق الانهيار؟
لا يقتصر الإنفاق الهائل على مواكبة الزيادة الكبيرة في استخدام برامج الدردشة الآلية مثل “تشات جي بي تي” و”جيميناي”، بل يمتد ليشمل ضمان الجاهزية للتعامل مع تحول جذري في النشاط الاقتصادي من البشر نحو الآلات. هذا التحول، وإن بدا واعدًا، يتطلب تمويلًا غير مسبوق يأتي من رأس المال الجريء والديون، وحديثًا من ترتيبات غير تقليدية أثارت تساؤلات في وول ستريت حول استدامتها.
إنفاق قياسي
خطة ‘ستارغيت’
عندما أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، عن خطة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار، عُرفت باسم “ستارغيت”، قوبل السعر ببعض عدم التصديق. لكن سرعان ما كثّف المنافسون الآخرون إنفاقهم، ومن بينهم مارك زوكربيرغ من “ميتا”، الذي تعهد باستثمار مئات المليارات في مراكز البيانات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد صرح ألتمان لاحقًا بأنه يتوقع أن تنفق “أوبن إيه آي” “تريليونات” على البنية التحتية، ما يعكس حجم الطموح الجنوني الذي يسيطر على هذا القطاع.
تمويل غير تقليدي
لتمويل هذه المشاريع الضخمة، تخطو “أوبن إيه آي” نحو مناطق جديدة. ففي سبتمبر، أعلنت “إنفيديا”، عملاق صناعة الرقائق، عن اتفاقية لاستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في بناء مركز بيانات لـ”أوبن إيه آي”. يرى بعض المحللين أن هذه الصفقة تثير تساؤلات حول ما إذا كانت “إنفيديا” تحاول دعم عملائها لضمان استمرارهم في شراء منتجاتها باهظة الثمن، في خطوة قد تُفسر على أنها محاولة للحفاظ على زخم السوق.
كما أشارت “أوبن إيه آي” إلى أنها قد تسعى لتمويل الديون، بدلاً من الاعتماد على شركاء مثل “مايكروسوفت”. هذا التحول في مصادر التمويل يثير القلق، خاصة وأن “أوبن إيه آي” تتوقع أن تستهلك 115 مليار دولار نقدًا حتى عام 2029، وهي أرقام تضع ضغطًا هائلاً على نموذج أعمالها الذي لم يثبت ربحيته بعد بشكل كامل. شركات التقنية الكبرى الأخرى، مثل “ميتا”، تلجأ أيضًا بشكل متزايد إلى الديون لدعم إنفاقها غير المسبوق، ما يعكس تحديًا ماليًا واسع النطاق.
مخاوف الربحية
‘نفايات العمل’
تتزايد الشكوك حول العائد الفعلي من تقنية الذكاء الاصطناعي، ففي أغسطس، أظهر باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية أن 95% من المؤسسات لم تتلقَ عائدًا على استثماراتها في مبادرات الذكاء الاصطناعي. وفي دراسة حديثة، قدم باحثون من جامعتي هارفارد وستانفورد تفسيرًا محتملًا لذلك، مشيرين إلى ما أسموه “نفايات العمل”، وهو محتوى يولده الذكاء الاصطناعي يبدو جيدًا لكنه يفتقر إلى الجوهر اللازم للتقدم الهادف. هذا يعني أن الوعد بتبسيط المهام وتعزيز الإنتاجية قد لا يتحقق بالقدر المأمول، ما يكلف المؤسسات ملايين الدولارات سنويًا من فقدان الإنتاجية.
عوائد متناقصة
يواجه مطورو الذكاء الاصطناعي تحديًا آخر يتمثل في “قوانين التوسع”، وهي الفكرة التي تقول إن مزيدًا من قوة الحوسبة والبيانات والنماذج الأكبر ستمهد الطريق لقفزات أكبر في قوة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، شهد هؤلاء المطورون خلال العام الماضي عوائد متناقصة من جهودهم المكلفة لبناء ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا. حتى سام ألتمان أقر بأننا “ما زلنا نفتقد شيئًا مهمًا جدًا” للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، ما يلقي بظلال من الشك على الوعود الطموحة.
تحديات إضافية
منافسة صينية
تتفاقم هذه المخاوف بسبب المنافسة المتزايدة من الصين، حيث تغمر الشركات السوق بنماذج ذكاء اصطناعي تنافسية ومنخفضة التكلفة. ففي أواخر يناير، قلبت شركة “ديب سيك” الصينية السوق بإطلاق نموذج ذكاء اصطناعي تنافسي بزعم أنه بُني بجزء يسير من المبلغ الذي ينفقه كبار المطورين في الولايات المتحدة. هذه المنافسة تخاطر بتقويض وادي السيليكون من حيث السعر، ما يجعل استرداد الاستثمار الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أمرًا صعبًا.
قيود الطاقة
هناك أيضًا خطر أن التوسع الهائل في مراكز البيانات في صناعة الذكاء الاصطناعي، الذي يستلزم زيادة هائلة في استهلاك الكهرباء، ستعوقه قيود شبكات الطاقة الوطنية. هذه النقطة غالبًا ما تُغفل في خضم الحماس، لكنها تمثل تحديًا لوجستيًا وبيئيًا كبيرًا قد يؤثر على وتيرة النمو المتوقع.
دفاع الصناعة
تفاؤل حذر
أقر سام ألتمان، وجه طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية، مرارًا بخطر حدوث فقاعة، لكنه حافظ على تفاؤله بشأن التقنية، قائلًا: “هل الذكاء الاصطناعي هو أهم شيء حدث منذ فترة طويلة جدًا؟ رأيي أيضًا نعم”. يواصل ألتمان وقادة التقنية الآخرون التعبير عن ثقتهم في خارطة الطريق نحو الذكاء الاصطناعي العام، مشيرين إلى أنه قد يكون أقرب مما يعتقد المشككون. هذه التصريحات تعكس إيمانًا عميقًا بالإمكانيات، حتى لو كانت التحديات المالية قائمة.
نمو الاستخدام
على المدى القريب، يقول بعض مطوري الذكاء الاصطناعي إنهم بحاجة إلى زيادة سعة الحوسبة بشدة لدعم التبني السريع لخدماتهم. فـ”تشات جي بي تي” من “أوبن إيه آي” لديه حوالي 700 مليون مستخدم أسبوعيًا، ما يجعله أحد أسرع المنتجات الاستهلاكية نموًا في التاريخ. هذا الانتشار الواسع يُعد حجة قوية للمؤيدين، إذ يرى البعض أن الطلب المتزايد سيبرر في النهاية الاستثمارات الضخمة، حتى لو لم تتحقق الأرباح الفورية.
دروس من الماضي
أوجه تشابه
الفقاعات الاقتصادية هي دورات تعرف بالزيادة السريعة في قيم السوق إلى مستويات لا تدعمها الأساسيات، وعادة ما يتبعها بيع حاد. يمكن العثور على أصداء عصر الإنترنت في البنية التحتية الضخمة للذكاء الاصطناعي، والتقييمات المرتفعة جدًا، والعروض المبهرجة للثروة. وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بلمسة رقمية أشد تعقيدًا. بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة “أوبن إيه آي”، يرى “كثيرًا من أوجه التشابه مع فقاعة الإنترنت”، متوقعًا أن يخسر كثيرون أموالًا طائلة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الذكاء الاصطناعي سيخلق “كميات هائلة من القيمة الاقتصادية في المستقبل”.
اختلافات جوهرية
مع ذلك، هناك بعض الاختلافات الرئيسية عن طفرة “الدوت كوم” يُشير إليها مراقبو السوق. أولها هو الصحة والاستقرار الواسع النطاق لأكبر الشركات التي تتصدر هذا الاتجاه، فمعظم مجموعة “السبعة العملاقات” لشركات التقنية الأميركية هي شركات راسخة تتمتع بتدفقات إيرادات ضخمة ومخزونات كبيرة من المال. هذا الاستقرار المالي يعطي هذه الشركات قدرة أكبر على تحمل الصدمات مقارنة بالشركات الناشئة التي قادت فقاعة الإنترنت.
يبقى السؤال الذي يشغل بال الكثيرين: هل سيتمكن الذكاء الاصطناعي من تحويل هذا الإنفاق الهائل إلى قيمة مستدامة، أم أنه سيقودنا إلى تكرار مرير لسيناريو “الدوت كوم”؟ الإجابة لا تزال معلقة، لكن المؤكد أننا نشهد مرحلة مفصلية في تاريخ التقنية، حيث تتصارع الطموحات الكبرى مع تحديات الواقع الاقتصادي.
يحتمل أن يكون للذكاء الاصطناعي عواقب عميقة على طريقة عملنا جميعًا. لكن بما أن التدمير الإبداعي الشومبيتري هو ما يوحي به إسمه، فسيكون هناك بعض المعاناة قبل أن نستمتع جميعًا بالأعمال التي تُبنى.
جون أوثرز – كاتب مقال لدى بلومبرغ أوبينيون






