عرب وعالم

الصراع السوداني: هجمات المسيرات تكشف توسع رقعة الاشتباكات شمالًا

تداعيات هجمات المسيرات على مروي وتحديات الهدنة الإنسانية

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

في تطور لافت يُعيد للأذهان اتساع رقعة الصراع، أعلن الجيش السوداني إسقاط عدد من المسيرات التابعة لقوات الدعم السريع، استهدفت مواقع حيوية شمال البلاد. تلك الهجمات على مقر قيادة الفرقة 19 مشاة ومطار وسد مروي، لا تُعد مجرد حادثة عابرة، بل تحمل في طياتها دلالات عميقة حول مسار الحرب الدائرة.

تأتي هذه العملية العسكرية في وقت حرج، حيث أكدت قيادة الفرقة 19 مشاة في بيان لها، جاهزيتها التامة للتصدي لأي محاولات تستهدف الولاية الشمالية. هذا التأكيد يعكس إدراك الجيش لأهمية المنطقة الاستراتيجية، التي ظلت بمنأى نسبي عن الاشتباكات المباشرة لفترة طويلة، مما يضعها الآن في قلب التحديات الأمنية.

أهمية مروي

مروي، بموقعها الذي يضم سدًا حيويًا ومطارًا استراتيجيًا، تمثل نقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية محتملة لأي طرف يسعى لتوسيع نفوذه. يُرجّح مراقبون أن استهدافها من قبل قوات الدعم السريع قد يكون محاولة لجس نبض الدفاعات العسكرية في الشمال، أو ربما إشارة إلى نية توسيع نطاق العمليات بعيدًا عن معاقلها التقليدية في دارفور وكردفان.

توسع القتال

الواقع أن مناطق واسعة من السودان تشهد تصاعدًا غير مسبوق في المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، فبعدما أحكمت الأخيرة سيطرتها على إقليم دارفور الشهر الماضي، امتدت نيران القتال لتشمل مناطق كردفان المجاورة. هذا التوسع الجغرافي يُعقد المشهد الإنساني والأمني، ويزيد من صعوبة جهود الوساطة الدولية والإقليمية.

لم يعد خافيًا على أحد أن الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من عام، قد خلفت وراءها كارثة إنسانية بكل المقاييس. عشرات الآلاف من القتلى، ونزوح نحو 12 مليون شخص من منازلهم، وتسببت في أزمة جوع حادة تهدد ملايين المدنيين، وهو مشهد مؤلم يُدمي القلوب ويستدعي تحركًا دوليًا عاجلاً وفعالًا.

هدنة وهمية

في خضم هذه التطورات، كانت قوات الدعم السريع قد أعلنت في وقت سابق موافقتها على هدنة إنسانية اقترحتها الرباعية الدولية حول السودان، والتي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة. لكن الملاحظ أن هذا الإعلان لم يترجم إلى واقع ملموس على الأرض، حيث واصلت القوات هجماتها على مدن خاضعة لسيطرة الجيش، من بينها العاصمة الخرطوم وعطبرة.

وتنص الهدنة المقترحة على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وبدء حوار سوداني-سوداني يهدف إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال تسعة أشهر. هذه الشروط، وإن بدت واعدة على الورق، إلا أنها تتعثر أمام استمرار التصعيد العسكري وغياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، مما يجعل تحقيقها يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.

دوافع الصراع

بحسب محللين سياسيين، فإن استمرار قوات الدعم السريع في هجماتها رغم إعلانها الموافقة على الهدنة، قد يشير إلى محاولة لتعزيز موقفها التفاوضي على الأرض قبل أي محادثات جادة، أو ربما يعكس انقسامات داخلية حول مدى الالتزام بالاتفاقات. هذا التكتيك العسكري، وإن كان مفهومًا من منظور القوة، إلا أنه يُطيل أمد معاناة الشعب السوداني ويزيد من تعقيد الأزمة.

كما أن استهداف مناطق مثل مروي يُظهر رغبة في تغيير موازين القوى خارج المناطق التقليدية للصراع، وربما قطع خطوط إمداد أو إرباك الجيش في مناطق كان يعتبرها آمنة. هذا التوسع الجغرافي للصراع يثير قلقًا إقليميًا واسعًا، خاصة في دول الجوار التي تخشى من تداعيات عدم الاستقرار على حدودها وأمنها القومي.

في الختام، تبقى الصورة قاتمة في السودان، حيث تتداخل تعقيدات الصراع العسكري مع الأزمة الإنسانية الطاحنة، وتتلاشى آمال السلام أمام استمرار التصعيد. إن هجمات المسيرات الأخيرة على مروي ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل العنف الذي يُهدد بتقسيم البلاد ويدفع بمستقبلها نحو المجهول، في ظل صمت دولي يكاد يكون مطبقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *